جيوسياسية المقدس
ليس جديداً أن تسعى قوى الصراع إلى الالتحام بوشاح القداسة؛ فالدين كان ولا يزال أداة محورية في ترجمة العنف السياسي إلى خطاب أخلاقي ووجودي، لكن ما يجري على مسرح الشرق الأوسط راهناً يتجاوز الاستعارة البسيطة ليصل إلى هندسة دينية ممنهجة، تطوع فيها حكومات في واشنطن وتل أبيب النصوص الدينية ليس فقط لتبرير الحرب، بل لتحويلها إلى منجز إلهي، وطقس تعبدي، وحلقة في سلسلة نهاية الزمان.
على جبهات ثلاثة متزامنة في فلسطين، لبنان، وإيران، تتشابك الرصاصة والصلاة، وتصاغ الانتصارات العسكرية لا بلغة الاستراتيجية، بل بمنطق المعركة ضد "الشر المطلق"، الذي تستدعيه الرؤية الصهيونية الدينية والمسيحية الإنجيلية.
ما يجمع الجبهات الثلاث ليس فقط الخرائط العسكرية أو تحالفات السلاح، بل اللغة التي صيغت بها الحرب: لغة دينية صرفة، جعلت من كل جبهة محطة في طريق الخلاص.
في خطابه عقب الهجوم على إيران في فبراير 2026، لجأ نتنياهو إلى استدعاء مباشر للمخيال التوراتي، فقال: نقرأ في مقطع التوراة لهذا الأسبوع: أذكر ما فعله عماليق بك، نحن نتذكر، ونحن نعمل.
لم يكن هذا الاستدعاء عفوياً، فالهجوم صادف توقيتاً دقيقاً: "شبات زخور" السبت الذي يسبق عيد البوريم، والذي تتلى فيه وصية التوراة بمحو ذكرى "عماليق"، وهذه الوصية، المستندة إلى سفر صموئيل الأول تحمل دلالات إشكالية، إذ تأمر "بقتل رجال ونساء وأطفال" العماليق.
هذا الخطاب نفسه كان قد استحضر في أكتوبر 2023، عندما شبه نتنياهو حماس بـ"عماليق" في خطاب لجنوده قال فيه: يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما تقول توراتنا المقدسة، ونحن نتذكر، بل إن هذه الاستعارة أصبحت لاحقاً أحد الأدلة التي استندت إليها جنوب أفريقيا في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
نتنياهو لم يكتف بإدراج إيران وحماس في قائمة أعداء العماليق الأسطوريين؛ بل ربط بين بلاد فارس وإيران الحالية، مستحضراً قصة أستير ومردخاي وهامان، التي تحتفل بها عطلة البوريم، فكما سقط العدو الفارسي في تلك القصة، سيسقط النظام الإيراني الحالي، وهذا الاستدعاء ليس مجرد بلاغة سياسية؛ إنه تحويل للحرب إلى حرب دينية تعقد التسوية وتجعل من أي تنازل خيانة دينية.
على الجانب الآخر من الحلف، لم يكن المشهد مختلفاً، فالإدارة الأميركية لجأت إلى تعبئة دينية لا تقل خطورة، فحولت الحرب على إيران إلى فرضية إلهية ضرورية لاندلاع معركة هرمجدون وعودة المشيح.
بعد أيام من بدء القصف، استقبل ترامب في المكتب البيضاوي مجموعة من القساوسة، الذين وضعوا أيديهم على كتفيه ورفعوا صلواتهم من أجل "الحكمة الإلهية والحماية"، بل ذهب أحد القادة العسكريين الأميركيين إلى حد إخبار ضباطه بأن "ترامب قد مسح من قبل الرب يسوع لإشعال شرارة هذه الحرب مع إيران، لتكون نقطة البداية لاندلاع معركة هرمجدون".
بالنسبة لهؤلاء، الحرب مع إيران ليست تهديداً للاستقرار الإقليمي، بل تحقيق لنبوءة الكتاب المقدس وخطوة على طريق الخلاص النهائي للمسيحيين المحاصرين، وتجاوز هذا الحماس الديني حدود الصلاة إلى الدعوات الصريحة للتصعيد: فقد اقترح السفير الأميركي لدى إسرائيل ورجل الدين الإنجيلي، مايك هاكابي على ترامب استخدام قنبلة نووية ضد إيران، وقال له إنه "سيسمع صوتاً من السماء" يوجهه.
وبينما كان القساوسة الأميركيون يتسابقون لتقديم الدعم الروحي للحرب، جلبت حكومة نتنياهو رجال دين مسيحيين لطلب المغفرة لـ"تقصيرهم" في دعم إسرائيل بما يكفي، ففي السابق، وقف وفود مسيحية أمام الكنيست الإسرائيلي طالبين المغفرة لـ"تقسيم أرض إسرائيل" معترفين بأنهم لم يدعموا إسرائيل بالقدر الكافي، فهذه الصيغة التي تجعل من انتقاد إسرائيل خطيئة دينية تستوجب التوبة تعيد إنتاج منطق نتنياهو نفسه؛ فكل من يعارض الحرب ليس خصماً سياسياً، بل خاطئاً يحتاج إلى الغفران.
ما يجمع بين استدعاء نتنياهو للعماليق ومباركة القساوسة الأميركيين للقصف هو تحويل الحرب من أداة سياسية إلى واجب ديني لا يقبل النقاش، فعندما يصبح الخصم ليس مجرد خصم، بل "عماليق" الذي يجب محوه، وعندما تصبح المعركة ليست لتدمير قدرات نووية، بل لتسريع مجيء المشيح، فكل حسابات التكلفة السياسية والإنسانية تصبح هامشية أمام "الضرورة الإلهية".
هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ؛ فهي تعيد إنتاج منطق الحروب الصليبية التي قدست العنف تحت مظلة الإيمان، لكن حداثتها تكمن في كونها تمارس في عصر حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية، وتحظى بتغطية إعلامية وإقرار سياسي من رجال دين يتحولون إلى شركاء في التخطيط العسكري.
بينما كان القادة العسكريون الأميركيون يوجهون خطاباً لجنودهم مفاده أن هذه الحرب جزء من خطة الرب، وبينما كان نتنياهو يستحضر وصايا العماليق، يتحول الشرق الأوسط إلى مسرح لدراما دموية، حيث بات البشر مجرد بيادق في نص ديني كتب قبل آلاف السنين.
لكن هذه اللغة الدينية لا تعكس فقط جموداً في الخطاب السياسي، بل تعكس أزمة عميقة في ضمير القيادات المعاصرة، التي تفضل الاختباء خلف نبوءات التوراة والإنجيل على مواجهة حقيقة أن الحرب ليست مقدسة، بل هي فشل إنساني متكرر، يدفع ثمنه دائماً الأبرياء في فلسطين ولبنان وإيران.