الضفة كفيلم كوميدي مرعب
في مشهد درامي حزين، يعيش أبطال العمال الدرامي في ضفة تفتقد الماء والكهرباء والوقود والمال والأمان والحياة، ينتظر أبطال العمل الدرامي ممثلو الضفة إشارة المخرج (الاحتلال) ليؤدي دورهم في فيلم رعب بملامح كوميدية سوداء، يعرض يومياً مجاناً.
في الضفة الغربية، برنامج ترفيهي يومي يقدمه الاحتلال، الفكرة بسيطة: اجعل المواطن يستيقظ صباحاً ليكتشف أن راتبه حلم، وعمله سراب، وطريقه إلى المستشفى مغلق ببوابة حديدية، وتعبئة مركبته بالوقود سراب علمي، والفرح حلم مؤجل، فلماذا التعقيد؟
اقتصادياً، لدينا نموذج مبتكر للفقر: بطالة تكاد تلامس ٣٠٪، وموظفون حكوميون يتقاضون رواتب منقوصة منذ سنوات، لأن إسرائيل بعناية وحب تحتجز إيراداتنا الضريبية.
أما العمال، فقد أغلقت إسرائيل بسخاء أبواب العمل أمامهم، فتحولوا فجأة من معيلين لأسرهم إلى زبائن دائمين لجمعيات الإغاثة، والنتيجة؟ عائلات تختبر نظاماً غذائياً جديداً يقوم على "توفير الطعام للصغار أولاً"، والأمهات يتفنن في وصفات الجوع.
أما التنقل، فهو متعة لا توصف، لدينا نحو ألف حاجز عسكري وبوابة حديدية، كأن الضفة غرفة ألعاب "متاهة" ولكن بدون جائزة، من يريد الذهاب من رام الله إلى نابلس؟ ليكن مستعداً لتأخير أربع ساعات، وتفتيش دقيق، وجندياً يراقبك كأنك تحمل قنبلة، وفي جنين احتلال وطرد ٣٣ ألفاً من منازلهم، مع وعد سخي: عودوا متى شئتم... بعد أن ننتهي من تدمير المخيم.
أما الأمان، فنتركه للكبار، المستعمرون الآن يتفوقون على الجيش في إصابة الفلسطينيين، وكأنهم يتنافسون على لقب أكثر جهة مضايقة، يقتلون بدم بارد، يطاردون، ويضربون، يستولون على المنازل والأراضي، يحرقون الزيتون، يقتلعون الأشجار، يرشون المزارعين بالفلفل، بينما الجيش يقف متفرجاً، وأحياناً يصفق لهم، بل ويشاكهم جرائمهم، ومشهد المستعمر وهو يطلق النار على مزارع أعزل وهو يحمل غصن زيتون، هو مشهد يبكي ويضحك في آن معاً، فهو مشهد يحظى بمشاهدة عالية، وتصفيق طويل من مشاهد دولي يتابع بشغف فيلم رعب درامي.
وفي المستشفيات، لدينا نظام جديد للعناية: لا تمرض، لأن الدواء غير متوفر، فالديون على وزارة الصحة تعجزها عن توفير الأدوية، وإذا أردت الطوارئ فستجد الحاجز ينتظرك، طفل رضيع مات لأنه منع من عبور حاجز في بيتللو غرب رام الله، وفي شمالها شابة استشهدت بعد منع مركبة إسعاف من المرور على حاجز في سنجل، لكن لا تقلق، الجيش يبرر بأنه "يحافظ على الأمن"، نعم، يحافظ على أمنه بموت رضيع، كم هو نجاح باهر.
نفسياً، الفلسطينيون يعيشون حالة فريدة: أعراض ما بعد الصدمة دون أن تنتهي الصدمة، فهم لا ينامون خوفاً من اقتحام، ولا يأكلون من الجوع، ولا يخططون للمستقبل لأنه غير موجود، هي تبدو هنا كخيال علمي.
الخلاصة التي يريدنا الاحتلال أن نتعلمها: الحياة في الضفة هي لعبة مكشوفة الأوراق، هدفها إما أن ترحل أو تموت جوعاً، أو تموت رصاصاً، أو تموت وأنت تحاول الوصول إلى دواء، اختاروا ما تشاؤون، فالخيارات كثيرة، والنهاية واحدة، والعالم كله شريك بعربه وعجمه.
هكذا يبدو الفلسطيني في الضفة، بطل فيلم كوميديا سوداء يضحك كي لا يبكي، يعيش كي يثبت أنه يموت كل يوم، ويتمسك بالأمل فقط لأنه لا يملك سواه، حتى لو كان الأمل نفسه في هذه المسرحية هو أغرب نكتة على الإطلاق.