بسيطة أحلامنا.. وطن على أرضنا
بسيط حلم الفلسطيني أن يقيم دولته على أرضه، أن ينام في بيته دون خوف من هدمه، أن يمشي في شارع بلده دون أن يوقفه حاجز عسكري، ولا يقتله مستعمر جاء من أقاصي الأرض ليطرده من أرضه، أن يعيش في وطن له سيادة وكرامة، حلم فطري هو إذن، لكن هذا الحلم البسيط في ظل الاحتلال الإسرائيلي تحول إلى سراب يطارد ولا يدرك، وإلى جرح ينزف منذ عقود.
حلمه أن يكون له وطن يحسب على خريطة العالم، ليس مجرد بقعة جغرافية، بل كيان يعترف به الآخرون كما يعترفون بأنفسهم، حلم طفل لا يعرف من وطنه سوى اسمه، ينام على حلم العودة إلى قرية لم يرها، لكنه يحفظ تفاصيلها عن جدته كأنه عاش فيها: حارة فيها بئر ماء، وشجرة تين عتيقة، وغرفة كانت تفوح برائحة الزعتر والزيتون.
هو حلم شاب يريد أن ينهي تعليمه في جامعته دون أن تغلق حافلة الطريق أمامه، أو أن يطلق جندي الرصاص عليه على حاجز عسكري.
حلم أم تريد أن تطمئن على ولدها وهو عائد من المدرسة، لا أن تترقب خبر استشهاده بين الأنقاض، أو أن يقتل على يد مستعمر قدم من أقاصي الأرض ليستبيح دمه، ويسلب أرضه باسم وعد في دينه.
تخيل حجم البساطة: أن تحلم بأن تنام في سريرك دون أن يستيقظ على صوت جرافة تهدم بيت جارك، أو أن تزرع شتلة زيتون في أرض جدودك وتأكل من ثمرها بعد سنوات، لا أن تقلعها الجرافات قبل أن تغرس جذورها.
هذا كل ما يريده الفلسطيني: لا صواريخ ولا حروباً، فقط حياة طبيعية كباقي البشر، دولة على ترابه، يحمل جواز سفر يسافر به دون استجداء تأشيرة من عدوه، وعلم يرفعه في المحافل الدولية دون أن يشطب من على المنصة.
قبل أن تقلب الموازين ويكتب التاريخ بسوداوية النكبة، كانت فلسطين بقعة منيرة، كانت مدنها مزدهرة بالملاعب والمسارح والجامعات، كانت دولة مزدهرة، كانت بلاد يعيش فيها المسلمون والمسحيون واليهود بسلام، ففي منتصف القرن التاسع عشر، كان عدد اليهود هناك لا يتعدى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 3% من السكان، لكن الرياح الأوروبية العاتية، التي كانت تطارد اليهود، بدأت تهب نحو شواطئ يافا وحيفا، منذ العام 1882، بدأت الموجات الأولى تتدفق، وكان الفلسطيني بكرمه المعهود، يفتح بيوته وأسواقه لهؤلاء القادمين من أوروبا، الهاربين من جحيم المحرقة النازية لاحقاً، كانوا يظنون أنهم يؤوون لاجئين، بينما هم في الحقيقة يؤوون بذور نكبتهم.
استقبلوهم في مدنهم، وقدموا لهم الطعام والشراب والملجأ، وأكرموا وفادتهم، لم يمنعهم دين ولا عرف من أن يمدوا أيديهم بالعون، لكن الخيانة كانت تحاك في الغرف البعيدة، وليس في بيوت فلسطين
في الثاني من نوفمبر 1917، منحت بريطانيا أرضاً ليست لها، ووعدت بها من لا يملك فيها إلا حلماً صهيونياً، أصدر آرثر بلفور رسالته الشهيرة التي لا تتجاوز بضعة أسطر، ليهب فيها وطناً لشعب يعيش في أوروبا.
رسالة قصيرة، أشبه بإيصال سرقة، قلبت مصير أمة بأكملها، لم تكتف بريطانيا بالوعود الورقية، بل حولت الانتداب الذي حصلت عليه من عصبة الأمم العام 1922 إلى أداة لتنفيذ المخطط، ففتحت الأبواب على مصراعيها لليهود الأوروبيين، ووفرت لهم البنى التحتية، وأنشأت لهم النقابات والصناعات، وفي الجانب الآخر، كانت تضرب الفلسطينيين بقبضة حديدية: تقتل، تهدم، وتعتقل دون محاكمة، كعقاب جماعي على محاولتهم الدفاع عن أرضهم.
ثم جاء اليوم المشؤوم في 29 نوفمبر 1947، حين صوتت الأمم المتحدة لصالح تقسيم فلسطين إلى دولتين؛ يهودية وأخرى عربية، وجعلت ديناً عرقاً في مخالفة صريحة للمنطق، فاليهودية دين لا عرق، فولد القرار 181، لكن لم يولد منه إلا كيان واحد، إسرائيل.
أما دولة فلسطين، فمحيت قبل أن ترى النور، وفي العام 1948، انفجرت النكبة كقنبلة موقوتة، حين أُجبر نحو 800 ألف إنسان على النجاة بحياتهم من ديارهم دفعة واحدة، بعضهم حمل مفاتيح بيوته في جيبه، يعتقد أنه سيعود بعد أيام، لكن تلك المفاتيح تحولت إلى أيقونة للحنين الدائم، 510 قرية ومدينة فلسطينية جرفت، صارت حقولها مستوطنات، ومساجدها معاصر نبيذ، ومقابرها طرقاً معبدة.
تشتت الفلسطينيون كالعقد المكسور وانتشروا في العالم، تحولوا إلى لاجئين في وطنهم، أو لاجئين خارج وطنهم، يدفعون الثمنَ حتى اللحظة: تهجيراً وقتلاً وقهراً.
أما المأساة الأكثر ألماً، فهي أن الفلسطيني دفع الفاتورة النهائية لجرائم أوروبا بحق اليهود، فعندما شعر الغرب، بعد الهولوكوست، بعقدة ذنب ثقيلة لا تحتمل، بحث عن حل سريع ورخيص: أن يقام هذا الكيان اليهودي في مكان بعيد عن أوروبا، ومن سيدفع الثمن؟ شعب لم يرتكب بحق أحد أي جريمة، شعب لم يضطهد أحداً، بل كان مضيفاً كريماً.
لم تقترح بريطانيا أو أميركا أن تقام الدولة اليهودية في مساحات أوروبا الشاسعة، ولا في الأراضي الألمانية التي تتحمل وزر النازية، ولا في البلدان التي طردتهم، فضلت أوروبا أن تنقل أوساخ تاريخها إلى الشرق الأوسط، لتغسل يدها بدماء الفلسطينيين، بينما هم يصفقون لأنفسهم على "الإنسانية" التي أظهروها في تعويض اليهود، متناسين أنهم سرقوا أرضاً بأكملها من شعب أعزل.
اليوم، بعد كل هذه العقود من الاحتلال والاستيطان والحروب، لم يتغير الحلم الفلسطيني قيد أنملة، لا يزال حلمه بسيطاً، نقياً، عنيداً: دولة على أرضه، عودة إلى بيته، حياة كريمة لا تراق فيها الدماء في الشوارع والمنازل والملاعب والمدراس، كل قطرة دم تراق، وكل دمعة تذرف، وكل طفل يقتل وهو يلهو، هي سجلات إدانة بحق العالم بأسره، ذاك العالم "المتحضر" الذي شارك بالفعل في تغريبة الفلسطيني وإبادته المنهجية، يتحمل اليوم مسؤولية تاريخية لا يمكنه التنصل منها.
حتى يصبح حلم الفلسطيني حقيقة، وتقام دولته على ترابه، يظل العالم مديناً له، ليس بالأسف فقط، بل بالتكفير عن جريمته التي شارك فيها، فبسيطة أحلامنا، لكنها ببساطتها تهز أركان الظلم، وتكشف زيف كل الخطابات التي تتغنى بالحقوق والكرامة، ويظل الفلسطيني مواصلاً نضاله ليقيم وطناً على أرضه.