كرة القدم وإعادة إنتاج الهيمنة الاستعمارية
لا أحد يصدق اليوم أن كرة القدم مجرد لعبة، فما جرى في مونديال 2026، وما رافقه من قرارات وتدخلات وفضائح، كشف ما كان كثيرون يظنونه مجرد نظريات مؤامرة، ليصبح حقيقة ملموسة أمام ملايين المشاهدين.
البطولة التي كان يفترض أن تكون عرساً كروياً عالمياً، تحولت إلى مسرح مكشوف للفساد السياسي والاستعماري، بقيادة جياني إنفانتينو، الذي ورث كرسي الفيفا ليكمل ما بدأه سابقوه، بل يتفوق عليهم في تحويل الرياضة الشعبية الأولى إلى أداة بيد النفوذ الغربي.
عندما تولى إنفانتينو الرئاسة، خرجت وعوده بالإصلاح من كل فم، كان الجميع يظن أن عهد الفساد الذي قاده بلاتر قد ولى، لكن الرجل سرعان ما كشف وجهه، فلم يكد يستقر في منصبه حتى بدأت تظهر علاقاته المريبة مع مراكز القوى، وأبرزها علاقته الوثيقة مع ترامب، التي تجاوزت حدود المجاملات إلى تدخلات سياسية صريحة في شؤون التحكيم.
اللافت أن إنفانتينو لم يكتف بمنح ترامب جائزة "فيفا للسلام"، في خطوة سخيفة جعلت الرياضة أضحوكة وسلاح دعاية لرجل متهم بتفكيك أسس الديمقراطية، بل فتح الباب أمامه للاتصال هاتفياً وإلغاء قرارات تحكيمية، وكأن قوانين اللعبة ورقية يمكن طيها بأمر رئاسي.
مونديال الاستعمار
ربما يكون المشهد الأكثر إيلاماً في هذه البطولة هو الكيفية التي أعاد فيها الفيفا إنتاج التفوق الاستعماري تحت غطاء التحكيم، لم تعد القرارات التحكيمية مجرد أخطاء بشرية، بل أصبحت جزءاً من منظومة تدعم دولة بأكملها لمجرد أنها تمثل "الاستمرارية البيضاء" في أمريكا اللاتينية.
الأرجنتين هي رمز للاستعمار الأوروبي في القارة اللاتينية، سكانها البيض، الذين ينحدرون من موجات المستعمرين الإسبان والإيطاليين، يحملون في تاريخهم وفي تركيبتهم الاجتماعية إرثاً استعمارياً لا يمكن إنكاره، وحين تمنح هذا المنتخب كل هذه التسهيلات التحكيمية، فذلك ليس صدفة، بل استمرار لمنطق يرى في "البياض" امتيازاً، وفي "السمرة" سبباً للاستبعاد.
تأملوا معي: حين يمنع حكم صومالي أسود من دخول الأراضي الأمريكية بلا سبب، ويترك مصيره للجهات الأمنية الأمريكية دون أي موقف من الفيفا، ثم في المقابل يلغى قرار تحكيمي بحق لاعب أمريكي بعد اتصال ترامب مباشرة، أفلا ترون التناقض الصارخ؟ هل ما زال أحد يشك في أن هناك "فئة أولى" وفئة "ثانية" في عالم كرة القدم؟
كيف سرقت مصر وكابي فيردي
مباراة مصر والأرجنتين كانت الفصل الأكثر فجاجة في هذه الملحمة المأساوية، فهي ليست مجرد خسارة، بل كانت عملية سطو منظمة بحق منتخب بأكمله، تذكروا الهدف المصري الذي ألغي بسبب "لمسة" قبل سبعة عشر ثانية من الهدف، وهي لمسة لا تؤثر على مجرى اللعبة ولا تغير شيئاً، ومع ذلك أصر حكم الفيديو على إلغائه، ثم تذكروا ركلة الجزاء الواضحة لمحمد صلاح التي تجاهلها الحكم وكأنها غير موجودة، لتبدأ هجمة أرجنتينية مرتدة وينتهي الأمر بهدف قاتل.
ولم تكن مصر وحدها الضحية، فكابي فيردي دفعت ثمن مواجهة الأرجنتين، بقرارات تحكيمية فاضحة كلها ذهبت في اتجاه واحد، وكأن الفريق الإفريقي لا يستحق حتى الاحتجاج، لأنه ببساطة ليس ضمن "النادي البيض".
مباراة رد الجميل
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة: بعد تعيين طاقم فرنسي لمباراة مصر والأرجنتين والتي شهدت سرقة واضحة، جاء دور مباراة المغرب وفرنسا ليعين لها طاقم تحكيم أرجنتيني بالكامل، وكأن الفيفا يقول لنا بوقاحة: نحن نتبادل المجاملات بين أحفاد المستعمرين، طاقم فرنسي يسرق المباراة لصالح الأرجنتين، ثم طاقم أرجنتيني يقود مباراة فرنسا، هل هذه صدفة أم أنها "صفقة" تحكيمية مكشوفة بين دولتين تجمعهما جذور استعمارية واحدة؟
الاستعمار في حلته الجديدة
ما نراه اليوم هو استمرار لمنطق الاستعمار بأدوات معاصرة، في الماضي كانت الدبابات والبنادق، واليوم أصبحت قرارات التحكيم وتقنية الفار والنفوذ السياسي هي الأسلحة، الدول التي كانت مستعمرة في الماضي، والتي ما زالت تعاني من تبعات الاستعمار الاقتصادي والثقافي، تجد نفسها اليوم تسرق في الملاعب أيضاً.
أما المنتخبات التي تمثل الامتداد الأوروبي، كالأرجنتين البيضاء، فهي المرشحة الدائمة للرعاية والحماية، لأنها تحمل الدم نفسه ولون البشرة نفسه الذي يتصدر المشهد في مكاتب الفيفا وأروقة القرار.
ما حدث في مونديال 2026 لا يمكن تمريره كمجرد "أخطاء تحكيمية"، بل هو فساد منهجي يعكس أزمة حوكمة عالمية، إنفانتينو أثبت أنه ليس رجل إصلاح، بل تابع مخلص للأجندات الغربية، مستعد للتضحية بنزاهة الرياضة من أجل صداقة ترامب ومصالح القوى الكبرى.
كرة القدم، التي كانت يوماً رياضة الفقراء والمهمشين، أداة للتعبير عن الذات وكسر الحواجز، أصبحت اليوم ساحة لإعادة إنتاج الهيمنة الاستعمارية، إن لم يتحرك المجتمع الرياضي العالمي، وتتشكل تحالفات جديدة من الجنوب العالمي لكشف هذا النفاق، فستفقد كرة القدم آخر ما تبقى لها من مصداقية، وتصبح مجرد مسرحية هزلية يكتب نصوصها السياسيون ويخرجها الفاسدون، ويؤدي دور الضحية فيها دائماً أولئك الذين لا يملكون قنوات اتصال مباشرة مع رؤساء الفيفا.