الخليل والدم كورقة انتخابية
بقلم: د. فراس طنينة
في كل موسم انتخابي، يفتش الحكم في إسرائيل عن أقصر الطرق إلى قلوب ناخبيه، وكثيراً ما يجده في دم الفلسطينيين، وهذا الموسم لا يشذ عن سابقيه، بل يزيد عليها، فالائتلاف القائم هو الأكثر يمينية في تاريخ الدولة، ووزيره سموتريتش لا يترك للفلسطيني إلا ثلاثة أبواب: العبودية أو التهجير أو الموت، وهذا الثالوث لا يبقى كلاماً في الخطب، فالاحتلال يكتبه كل صباح بالحديد والإسمنت، عند الحاجز وعلى عتبة البيت وفي حقل الزيتون.
وفي مثل هذا الهواء الثقيل وقع كمين الخليل، عند المدخل الغربي للمدينة، قرب حاجز "فرش الهوا"، ذلك الحاجز الذي يعرفه أهل البلد قبل أن يعرفوا أسماء الشوارع، لأنه يوقظهم كل يوم على إذلال مكرر وطريق مسدود، نصب حمودة وأحمد الجعبة كميناً لجنود الاحتلال، دام الاشتباك أكثر من عشرين دقيقة، وهي مدة طويلة تأخر فيها إجلاء الجرحى، وانتهى بمقتل جنديين وإصابة أربعة، واستشهاد الشابين، ولم يكن بين المستهدفين مدني واحد.
وكان الشابان يعرفان، على الأرجح، أن الثمن لن يدفعه جسداهما وحدهما، فالاحتلال لا يكتفي بمعاقبة من حمل السلاح، بل يمد يده إلى من أحبه، إلى أمّه وأبيه وإخوته وجدران بيته، مجتمعه كله، وهكذا جرى، اقتحمت البيوت قبل أن يجف الدم، وامتلأت الليلة بالاعتقالات، وعاد الاحتلال إلى سنته القديمة: أن يجعل العقاب أوسع من الذنب، وأن يعلم الجيران أن الحزن نفسه قد يحاسب عليه صاحبه.
ثم جاء نتنياهو إلى الخليل، ووقف أمام الكاميرات، وتكلم كمن يقف على أطلال لم تبن بعد، أعلن عملية لم تعرف الضفة مثلها منذ حرب 1967، وأمر بحصار المدينة وإغلاق الضفة كلها، ثم وعد بإخلاء الأحياء التي خرج منها المنفذان، وبدخول كل بيت فيها بحثاً عن السلاح، وبأن يجري عليها ما جرى في مخيمات الشمال من هدم وتهجير وتفريغ.
لم تنتظر الأوامر طويلًا، فقد طلب من الأهالي فعلًا أن يتركوا بيوتهم في مناطق واسعة من المدينة، وأُطبق الحصار على الخليل وحلحول معاً، في جريمة حرب وجريمة عقوبات جماعية، وأخذت الحكومة تدرس توسيع الحملة.
هذا التصعيد هو الوجه المألوف في كل انتخابات إسرائيلية، ولهذا الائتلاف عاش على الحروب وتنفس منها، لذا فإن الاستفزازات والجرائم من عصابات المستعمرين وقوات الاحتلال التي لم تنقطع في الضفة لم تكن عفوية، بل صممت لتصنع الذريعة، وأن الدم الفلسطيني كان ولا يزال الورقة الأبرز في حملة انتخابية، فنتائج الاقتراع يوم الثلاثاء متقاربة بين الائتلاف والمعارضة الصهيونية، وقد يحسم حدث واحد، صغيراً كان أو كبيراً، وجهة بضعة آلاف من الأصوات المترددة.
فهل تكون الخليل هي ورقة الدعاية الانتخابية؟ نعم هذا ما جرى فنتنياهو ووزراء حكومته اقتحموا المدينة، عقب العملية مباشرة، وأرعدوا وأزبدوا مهددين بانتقام كبير، فيما المعارضة استغلت العملية لتؤكد استمرار فشل نتنياهو وحكومته في توفير الأمن للمواطن، لذا فإن هذه العملية ستجعل نتنياهو يخسر الكثير من الأصوات.
ولذلك قد يكون الأرجح ألا يتحرك نتنياهو قبل يوم الاقتراع، لأن العملية أربكت حساباته، وجعلت المعارضين يتهمونه بأنه فشل في حماية شعبه وجنوده، فالتصعيد بعده أنفع له، إذ يدخل به إلى مفاوضات تشكيل الحكومة وهو يمسك بزمام الأزمة، ويقول لخصومه وحلفائه إنه انتظر كي لا يتهم بخلط الأمن بالدعاية، وإن التأخير أسابيع إضافية أمر لا يحتمله الأمن، وفي المقابل لا تبدو المعارضة الصهيونية، بمتشدديها ومعتدليها، قادرة على موقف واحد في مثل هذه الساعة، فتترك له الميدان خالياً.
في الضفة الأمر أبسط وأخطر معاً، فالقرار بيد نتنياهو وحده، لا يحتاج فيه إلى إذن من واشنطن، والقيادة العسكرية التي لم تغفر لنفسها بعد إخفاق السابع من أكتوبر لن تغامر بأن تبدو متساهلة، ولن تقف في وجه حملة واسعة.
يبقى احتمال واحد قد يخلط حسابات نتنياهو وترمب معاً: أن ينهض الفلسطينيون في وجه حملة الاقتلاع، تكرار هذه العمليات في ظل استباحة المستوطنين والجيش معاً للدم الفلسطيني وأرضه وزرعه، تجعل احتمالية استمرار العمليات أمراً وراداً، قد تقود إلى الانزلاق في هبة كما جرت في مرات عدة سابقاً،