الضفة الغربية: من إدارة الصراع إلى فرض السيادة
على عكس ما قد يوحي به الهدوء النسبي على السطح، تشهد الضفة الغربية المحتلة تحولاً جذرياً وصامتاًن هذا التحول لا يقتصر على تجاوز نموذج "إدارة الصراع"، بل هو انتقال منهجي نحو نموذج جديد قوامه "الحسم وفرض السيادة".
تهدف هذه السياسات، التي تقودها شخصيات استيطانية متطرفة، بدعم كلي من حكومة اليمين إلى إعادة تعريف طبيعة الوجود الإسرائيلي في الضفة بشكل دائم، من خلال تفكيك المؤسسة الفلسطينية وضم الأرض بالقوة.
الهدف الأساسي لهذه السياسات هو إنهاء دور السلطة الفلسطينية كهيئة سياسية تمثل طموح الشعب الفلسطيني، وتحويلها إلى أداة إدارية فارغة، عبر أدوات عملية يومية، كالحصار المالي الخانق، عبر تحويل أداة "أموال المقاصة" من مورد أساسي إلى سلاح ضغطن فإسرائيل توقف تحويل هذه الأموال بشكل شبه كامل منذ ايار 2025، ما جعل العام 2026 هو الأصعب مالياً للسلطة، التي تواجه تهديداً وجودياً لعدم قدرتها على دفع رواتب موظفيها وخدماتها الأساسية كالتعليم والصحة.
كما اعتمدت حكومة الاحتلال في مشروع الحسم، إقرار تشريعات ممنهجة، بحيث لا يقتصر الأمر على الابتزاز الآني، بل بخطة ممنهجة بموجب "قانون تجميد الأموال المرتبطة بالإرهاب، ما يسمح لوزير المالية بخصم مبالغ مالية، ما يعكس رغبة إسرائيلية في استخدام المال كأداة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة مع السلطة فلسطينياً وتقويض شرعيتها شعبياً.
كما تهدف حكومة اليمين إلى التوسع الاستيطاني والضم الجغرافي، وهو ما تظهره الأرقام، حيث يأتي التوسع الاستيطاني كأسرع عملية استيطانية منذ عقود، بهدف إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية للضفة الغربية وتفكيك أي تواصل مكاني بين التجمعات الفلسطينية، حيث صادقت سلطات الاحتلال في عام 2025 على بناء أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية جديدة، وهو رقم قياسي غير مسبوق في عام واحد.
كما وافق مجلس الوزراء الأمني (الكابينت) في أبريل 2026 على إقامة و"شرعنة" 34 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة في الضفة، موزعة على كافة المحافظات مثل جنين وأريحا والخليل، كما تمت المصادقة سراً في ديسمبر 2025 على خطة لشرعنة 19 مستوطنة أخرى، بعضها كانت قد أُخلِيت في 2005 مثل "غانيم" و"قديميم".
كما خصص سموتريتش مبلغ 2.7 مليار شيكل (نحو 843 مليون دولار) على مدى السنوات الخمس المقبلة لتوسيع المستوطنات و"تعزيز الحكم الإسرائيلي"، ويشمل ذلك إنشاء "عناقيد استيطانية" (20 منزلاً متنقلاً لكل منها) لتشكيل نواة استيطانية جديدة، وتحويل قواعد عسكرية في الشمال، مما يقرأ على أنه "ضم فعلي".
وكانت نتيجة المخطط المسمى خطة الحسم، تهجير جماعي، فهذا الإجراء حول أراضي المواطنين الفلسطينيين في المنطقة "ج" تلقائياً إلى أراضي دولة، وسيسجل الكثير منها باسم المستوطنات الإسرائيلية، ما يهيئ لتهجير قسري على نطاق واسع ويعد سرقة كبرى للأراضي.
وعملت حكومة اليمين على نقل الصلاحيات من الإدارة العسكرية المؤقتة إلى الإدارة المدنية الدائمة، حيث تكتمل صورة السيادة عبر نقل تدريجي للصلاحيات من المؤسسات العسكرية إلى المدنية، ما ينهي وهم الاحتلال المؤقت.
وباتت الإدارة المدنية تحت سيطرة المستوطنين، ولم يعد الجيش يدير شؤون المستوطنين، بعد نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية يترأسها سموتريتش بهدف فصل الحياة المدنية عن الأمور العسكرية.
كل هذا، أدى إلى تآكل اتفاقيات أوسلو مع هذه الخطوات، فباتت الحدود بين مناطق "أ" و "ب" و "ج" التي رسمتها اتفاقيات أوسلو متآكلة وعفا عليها الزمن.
ولكن، يرى كبار القادة العسكريين أن حماية مئات البؤر الاستيطانية الجديدة تُحول الجيش من مؤسسة استراتيجية إلى قوات حراسة أمنية لمزارع معزولة وبؤر، ما يفتت القوة القتالية ويحول الموارد بعيداً عن مواجهة التهديدات الحقيقية.
وأشارت تقديرات معهد الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن هذه السياسات ستؤدي إلى انهيار الجيش على نفسه نتيجة الاستنزاف الممنهج، القيادات العسكرية تدرك أن المسؤولية عن حماية نقاط متفرقة وشاسعة تُضعف الجاهزية للحرب الكبرى وتزيد نقاط الاحتكاك.
الخلاصة أن إسرائيل تحاول فرض سيناريو الدولة الواحدة بنسختها الأكثر تطرفاً، حيث السيادة كاملة للاحتلال، والفلسطينيون محاصرون في جيوب معزولة.
القيادة السياسية للاحتلال تراهن على أن الضغط المستمر سيؤدي إلى استسلام الفلسطينيين أو هجرتهمن لكن جميع المؤشرات الأمنية والسياسية تشير إلى أن هذا المسار هو الأكثر تطرفاً وخطورة منذ عقود، فالضغط على صمام الأمان لا يريحه، بل يضغطه نحو الانفجار، محذرين من أن الوضع مهدد بالانفجار في أي لحظة في ظل غياب أي أفق سياسي.