حرب الاستيطان الرعوي كوصفة للتهجير
في مشهد يتكرر بوتيرة متسارعة، يستشهد طفل، وتسرق المئات من رؤوس الأغنام، وتحرق المزروعات، وتدمر مصادر الرزق، وسط صمت دولي مطبق. ليس هذا مشهداً عرضياً أو اعتداءً فردياً معزولاً، بل حلقة في سلسلة ممنهجة من العنف الاستيطاني المتصاعد الذي يعيد تشكيل ملامح الضفة الغربية بهدوء ووحشية معاً.
لم تعد اعتداءات المستوطنين مجرد تجاوزات فردية، بل تحولت إلى نمط منظم يحمل أهدافاً سياسية واضحة. هذا التحول يمتد في مسار تاريخي منذ العام 1967، وصولاً إلى حكومة إسرائيلية تعلن صراحة أهدافها التوسعية. الميدان يشهد أدوات ضغط متكاملة: استهداف الرعاة والمزارعين، سرقة المواشي، إحراق المزروعات والممتلكات، الاقتحامات المتكررة، وصولاً إلى القتل دون حساب، كلها ترسم صورة لحياة مستحيلة تدفع الفلسطينيين تدريجياً نحو الرحيل القسري.
من أبرز الأدوات المستجدة "الاستيطان الرعوي"، حيث يدفع المستوطنون بمواشيهم لترعى داخل أراض فلسطينية بحماية جيش الاحتلال، مستوطن واحد يسيطر على قطعة أرض، وتوفر له كتيبة كحماية، في عملية تآكلية بطيئة لكنها فعالة.
هذا الابتكار يعكس تطوراً في الفكر الاستيطاني يهدف إلى توسيع رقعة النفوذ دون قرارات ضم رسمية، كما أنه يساهم غياب المساءلة القانونية في تفاقم العنف.
الأرقام تشير إلى أن نسبة ضئيلة من الشكاوى تؤدي إلى لوائح اتهام، مما يخلق شعوراً بالإفلات من العقاب، هذا الغياب ليس صدفة، بل نتاج منظومة متكاملة: جهاز قضائي متساهل، وجيش يوفر الحماية وحكومة تدعم الاستيطان في العلن.
تتركز أكثر الاعتداءات شراسة في المناطق المصنفة "ج"، حيث تسعى حكومة الاحتلال إلى طمس أي احتمال لقيام دولة فلسطينية متصلة، عبر تحطيم البنية المكانية الفلسطينية إلى جيوب معزولة.
ما يجري اليوم هو ترجمة عملية لـ"خطة الحسم"، التي أطلقها سموتريتش، التي تقدم للفلسطينيين خيارات: التهجير، أو العمل، أو القتل.
يتقاطع التصعيد الاستيطاني مع أزمة اقتصادية خانقة للسلطة الفلسطينية، مما يشكل ضغطاً مزدوجاً على الفلسطينيين: عنف مباشر وتدهور اقتصادي. كما تمتد السياسات الاستيطانية إلى إعادة تشكيل البنية الجغرافية عبر شبكات طرق ومصادرات، ما يجعل التراجع شبه مستحيل.
لم يعد الاستيطان مشروعاً لليمين المتطرف فقط، بل تحولاً أيديولوجياً أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي نحو التشدد الديني، مما يجعل الموجة الحالية ليست نزوة عابرة.
في غياب ضغط دولي حقيقي، وانشغال العالم بنزاعات أخرى، يواصل المستوطنون توسيع هجماتهم دون خوف.
تتصاعد المخاوف من تكرار سيناريو غزة في الضفة الغربية بشكل مختلف: تهجير تدريجي وتفكيك للبنية الاجتماعية.
المؤشرات لا تبشر بخير؛ الضفة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً من حرب استنزاف بطيئة لكنها مدمرة.
الضفة الغربية تشهد اليوم واحدة من أخطر مراحلها، ليس بسبب حجم العنف فقط، بل بسبب طبيعته المنهجية وغياب أي رادع حقيقي.و الثمن النهائي قد يكون أكبر مما يتصوره أي طرف.