إبادة الحقيقة
في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، خرج الزميل الصحفي والصديق نضال الوحيدي، مراسل فضائية النجاح إلى عمله لتغطية "طوفان الأقصى"، بعد ساعات، انقطع الاتصال به تماماً، ليصبح اسمه ضمن قائمة طويلة للمفقودين، الذين ابتلعتهم آلة الحرب دون أن يتركوا أثراً.
حتى اليوم، لا يعرف أهله إن كان لا يزال حياً خلف القضبان، أم أنه التحق بركب الشهداء الذين يتجاوز عددهم الآن 262 صحفياً وإعلامياً منذ حرب الإبادة على غزة.
نستذكر نضال و262 زميلاً وزوميلة، استشهدوا أو اغتيلوا عن سابق تصمم من طائرات الاحتلال، في أكبر مجزرة يسجلها التاريخ، نستذكر هؤلاء الزملاء في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الموافق الثالث من أيار/مايو، فهذا العام تختزن غزة أرقاماً قياسية في معجم الإبادة الجماعية، لكن هذه المرة بالأرقام التي تخص شهود الحقيقة.
في مشهد يعكس تحول الكاميرا إلى هدف، والصحفي إلى شاهد مطلوب إسكاته، تكشف المعطيات الميدانية عن حصيلة مروعة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الإعلاميين الفلسطينيين، منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023.
تشير الإحصاءات الموثقة إلى أن الاحتلال اغتال 262 صحفياً وإعلامياً، في واحدة من أعلى الحصائل المسجلة عالمياً لاستهداف الصحفيين خلال النزاعات المسلحة، وهو رقم يرى مراقبون فيه "دليلاً دامغاً" على وجود سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات الرواية الفلسطينية ومنع نقل الحقيقة إلى العالم.
ولم يقف طوفان الدم عند حد القتل، بل طال 420 صحفياً بإصابات متفاوتة، بعضها بالغ الخطورة أدى إلى بتر أطراف وإعاقات دائمة، في حين لا يزال ثلاثة صحفيين، بينهم نضال الوحيشي، في عداد المفقودين، يلف الغموض مصيرهم وسط مخاوف جدية على حياتهم، أما المعتقلون، فيقبع نحو 50 صحفياً في سجون الاحتلال، في ظروف وصفت بالقاسية وغير الإنسانية.
لم تقتصر الجرائم على القتل والجرح، بل تجاوزتها إلى استراتيجية ممنهجة لتجفيف منابع الحقيقة، فالكثير من حالات الاغتيال طالت صحفيين كانوا يرتدون شارات الصحافة بوضوح، كحال الزملاء حسن أصليح، ومريم أبو دقة، وأنس الشريف وحمزة الدحدوح، ما يؤكد أن هذه الاغتيالات لم تكن عشوائية بل نفذت بنيّة مبيتة.
كما رصد متابعون نمطاً إجرامياً جديداً تمثل في استهداف عائلات الصحفيين كأداة للترهيب والضغط المهني، مستشهدين بمجزرة استشهاد أفراد من عائلة الزميل وائل الدحدوح، وقصف منزل الصحفي مصطفى الصواف ما أدى إلى استشهاده مع عدد من أفراد أسرته.
يُعد الإخفاء القسري، كما في حالة نضال الوحيدي، أحد أخطر أشكال هذه السياسية، حيث يُترك المصير معلقاً كأداة للتعذيب النفسي للأهل والزملاء على حد سواء.
لم تسلم البنية التحتية الإعلامية في غزة من آلة التدمير، حيث تعرضت مئات المقرات الإعلامية للتدمير الكامل، ما تسبب بشلل شبه كامل في العمل الإعلامي، في محاولة لطمس الشاهد والصورة معاً.
التقديرات توثق أن نحو 96% من الصحفيين الفلسطينيين نزحوا قسراً عن منازلهم، وأن أكثر من 88% من مساكنهم تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي.
على الرغم من آلة القتل والتدمير، يخرج صحفيو غزة إلى الشوارع المدمرة، حاملين كاميراتهم كسلاحهم الوحيد، مصممين على كسر طوق العزلة الإعلامية، فرسالة الصحفيين الفلسطينيين ستبقى حاضرة رغم الاستهداف، وصوت فلسطين لن يُطمس، فما يجري في غزة يمثل محاولة ممنهجة لاغتيال الحقيقة، لكن الحقيقة التي كتبت بدماء الصحفيين ستظل أقوى من القصف، وأبقى من محاولات الطمس والإخفاء.