سلطة الآثار الاسرائيلية
صادق الكنيست الاسرائيلي اليوم على إقامة سلطة آثار بالضفة الغربية و قطاع غزة حيث ستخضع لوزير إسرائيلي وسيكون لديها صلاحية مصادرة أراض، وإشراف حصري على المواقع الأثرية والمحميات الطبيعية في الضفة وغزة ، حيث يثير ذلك إشكاليات قانونية عميقة على عدة مستويات فيالقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والقانون الجنائي الدولي .
فمن منظور القانون الدولي الإنساني : تُعد الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية،والقطاع أراضي محتلة وفق قواعد احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، وبالتالي تنطبق عليها قواعد اتفاقية جنيف الرابعة ولوائح لاهاي لعام 1907 ، حيث ينطبق عليها مبدأ عدم جواز ضم الأراضي المحتلة .
وإذا كانت الحكومة اليمينية المتطرفة تمارس اختصاصات سيادية إسرائيلية مباشرة داخل الأراضي المحتلة، فهذا قد يُفهم باعتباره امتدادًا للتشريع والإدارة الإسرائيلية إلى الإقليم المحتل، وتعزيزًا لسياسة الضم الفعلي وهذا يتعارض معالمادة (34) من لوائح لاهاي التي تلزم سلطة الاحتلال بإدارة الإقليم مؤقتًا دون اكتساب سيادة عليه ، وقرارات مجلس الأمن الدولي التي تؤكد عدم شرعية أي إجراءات تغير الوضع القانوني أو الديمغرافي أو الجغرافي للأرض المحتلة، ومبدأ حماية الممتلكات الثقافية
فالقانون الدولي الإنساني يمنح حماية خاصة للتراث الثقافي والآثار، خاصة بموجب اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، واتفاقية جنيف الرابعة ، وإذا استُخدمت “الآثار” كأداة لإحكام السيطرة السياسية أو الاستيطانية، أو لتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومواقعهم التاريخية، فقد يُعتبر ذلك استغلالًا للتراث الثقافي لأغراض الاحتلال أو تغييرًا للهوية الثقافية للإقليم المحتل ، ومبدأ مصادرة الأراضي
فمنح سلطة إسرائيلية حق مصادرة أراضٍ في الأراضي المحتلة يثير تعارضًا مباشرًا مع المادة (46) من لوائح لاهاي التي تحظر مصادرة الملكية الخاصة ، والمادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها إلا لضرورة عسكرية حتمية ، أما المصادرة لأغراض إدارية أو أثرية أو استيطانية، فلا تُعد عادة “ضرورة عسكرية”.
من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان :القانون الدولي لحقوق الإنسان يستمر بالتطبيق أثناء الاحتلال، وفق ما أكدته محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري حول الجدار عام 2004 ، وهيئات الأمم المتحدة المختلفة
فالحق في الملكية والسكن والتنقل وأي صلاحيات لمصادرة الأراضي أو تقييد الوصول للمحميات والمواقع الأثرية قد تمس حق الملكية والحق في السكن والحق في حرية الحركة والوصول إلى الموارد الطبيعية ، الحقوق الثقافية.
الشعب الفلسطيني يتمتع بحقه الجماعي والفردي في حماية تراثه الثقافي وهويته التاريخية ، وفرض اي إدارة إسرائيلية حصرية على المواقع الأثرية قد يُنظر إليه باعتباره تقييدًا للحق في الهوية الثقافية أو إعادة صياغة للرواية التاريخية للإقليم بصورة أحادية.
التمييز وعدم المساواة إذا طُبقت هذه الصلاحيات بصورة تمنح امتيازات للمستوطنين الإسرائيليين مقابل تقييد الفلسطينيين، فقد تثار مسائل تتعلق بالتمييز العنصري أو حتى بنظام فصل مؤسسي وفق بعض تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية.
من منظور القانون الجنائي الدولي : يدخل الموضوع هنا ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، خاصة بعد انضمام فلسطين إلى نظام روما الأساسي.
جريمة الاستيطان ، المادة (8) من نظام روما الاساسي تعتبر " نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة جريمة حرب "، وإذا استُخدمت سلطة الآثارلتوسيع السيطرة على مناطق أثرية أو لمنع استخدام الفلسطينيين للأرض تمهيدًا للتوسع الاستيطاني
فيُنظر إلى ذلك كجزء من بنية دعم الاستيطان، الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الاستيلاء واسع النطاق على الأراضي أو الممتلكات دون ضرورة عسكرية قد يدخل ضمن جرائم الحرب المتعلقة بالمصادرة غير المشروعة.
الاعتداء على التراث الثقافي ،القانون الجنائي الدولي تطور ليعتبر تدمير أو الاستيلاء على التراث الثقافي فعلًا خطيرًا ، كما ظهر في قضايا تدمير أضرحة تمبكتو أمام المحكمة الجنائية الدولية
إذا أدت الحكومة اليمينية الجديدة إلى تغيير الطابع الثقافي للمواقع او حرمان السكان الأصليين من علاقتهم التاريخية بها فقد يُثار جدل قانوني حول حماية التراث الثقافي في النزاعات المسلحة
الإشكالية الأخطر قانونيًا هي نقل صلاحيات سيادية إسرائيلية مدنية مباشرة إلى الأرض المحتلة وتحويل ملف الآثار والمحميات إلى أداة إدارة إقليمية وسياسية وربط ذلك بالمصادرة والسيطرة الحصرية، وهذا يُفسَّر دوليًا باعتباره خطوة ضمن مسار الضم التدريجي أو محاولة لإعادة تشكيل الهوية القانونية والثقافية للأرض المحتلة.
اذا من منظور غالبية فقه القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ، فان إسرائيل كقوة احتلال لا تملك سيادة على الضفة الغربية وغزة ولا يجوز لها إجراء تغييرات دائمة أو استغلال الموارد الثقافية والطبيعية بما يخدم مصالحها السيادية أو الاستيطانية ، وأي مصادرة للأراضي أو فرض إدارة حصرية إسرائيلية على المواقع الأثرية قد يثير مسؤولية دولية، وربما مسؤولية جنائية دولية في ظروف معينة.