انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية: تغيّر في الخارطة السياسية وصعود الدور العشائري
لا يمكن توصيف انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية باعتبارها انتخابات سياسية بالمعنى التقليدي، فالمشهد الحالي يعكس تحولات عميقة في طبيعة التنافس وآليات تشكيل القوائم، وسط تراجع واضح للبعد السياسي وصعود الاعتبارات العشائرية والخدماتية.
أولاً: البلديات.. فتح تنافس نفسها
تشير المعطيات إلى أن الانتخابات ستجري في 90 بلدية، مقابل فوز 42 مجلساً بلدياً بالتزكية.
في البلديات التي حُسمت بالتزكية، برزت قوائم عشائرية وأخرى محسوبة على حركة فتح، حيث اعتمدت الحركة على شخصيات واضحة الانتماء التنظيمي في عدد من المناطق.
أما البلديات التي ستشهد انتخابات، فتغيب عنها المنافسة السياسية الحقيقية بشكل شبه كامل، إذ لم تظهر قوائم ذات طابع سياسي واضح باستثناء قوائم حركة فتح التي خاضت الانتخابات تحت أسماء مثل “العطاء والتنمية”، أو عبر قوائم حرص مرشحوها على إظهار انتمائهم للحركة بشكل غير مباشر.
وفي نحو 80% من هذه البلديات، تدور المنافسة فعلياً بين قوائم محسوبة على فتح نفسها، أو بين فتح وقوائم عشائرية يُنظر إلى معظمها باعتبارها قريبة من الحركة، بينما تبقى ثلاث بلديات فقط خارج هذا الإطار، وقد تشهد نتائجها نقاشاً أوسع لطبيعة التنافس فيها.
ثانياً: المجالس القروية.. التوافق بدل السياسة
في المجالس القروية، فاز 155 مجلساً بالتزكية، فيما ستُجرى الانتخابات في 93 مجلساً فقط.
وخلال هذه المرحلة، لعبت حركة فتح دوراً أساسياً في صناعة توافقات محلية دعمت من خلالها شخصيات مقربة منها أو شخصيات عشائرية ذات حضور اجتماعي يصعب تجاوزه، خاصة في القرى والأرياف الفلسطينية.
وفي المجالس التي ستشهد انتخابات، يتكرر مشهد انقسام الحركة على نفسها عبر قوائم متعددة، بينما يغيب الطابع السياسي المباشر عن التنافس.
مواقف الفصائل الفلسطينية
حركة فتح
حرصت حركة فتح على إظهار حضورها التنظيمي بشكل واضح في الانتخابات، سواء عبر الدعاية الانتخابية لقوائم “العطاء والتنمية”، أو من خلال الدور المباشر للأقاليم التنظيمية التي بدت أكثر حضوراً مقارنة بالسنوات الماضية، إلى جانب دعم الإعلام الرسمي لهذا التوجه.
حركتا حماس والجهاد الإسلامي
لم يصدر عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي موقف رسمي واضح يدعو إلى المشاركة أو المقاطعة، رغم وجود نقاشات داخل أوساط مقربة منهما حول جدوى المشاركة، خصوصاً في ظل اشتراط الالتزام بوثيقة تتضمن الإقرار بالتزامات منظمة التحرير ضمن إجراءات الترشح.
هذا الموقف حمل رسالتين متوازيتين: الأولى رفض ضمني لاحتكار السلطة للموقف السياسي، والثانية عدم الرغبة في تعطيل تجديد المؤسسات الخدماتية، وتفضيل استمرار الحيوية الإدارية على حالة الجمود.
اليسار الفلسطيني
يبدو اليسار الفلسطيني غائباً بصورة شبه كاملة عن المشهد الانتخابي، باستثناء حضور محدود للجبهة الشعبية التي فضّل جزء من كوادرها الغياب عن الانتخابات باعتباره موقفاً سياسياً ضمنياً.
صعود العشيرة وتراجع السياسة
من أبرز ملامح هذه الانتخابات تنامي حضور العشائر على حساب القوى والتنظيمات السياسية، وهو ما دفع حركة فتح إلى بناء جسور تنسيق واضحة مع العائلات والعشائر، خاصة في القرى والأرياف، مع حضور أكثر وضوحاً لهذا النمط في جنوب الضفة الغربية.
في المقابل، يبرز ضعف مشاركة النخب السياسية والاجتماعية لأسباب متعددة، أبرزها الأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة بالعمل السياسي التقليدي.
انتخابات بلا مضمون سياسي
المشهد العام يعكس نمطاً جديداً من الانتخابات يقوم على ركيزتين أساسيتين:
* منافسة الحزب الواحد داخل بيئته التنظيمية.
* تعظيم الدور العشائري والاجتماعي على حساب الخطاب السياسي.
كما يغيب التيار الاجتماعي المنظم كقوة سياسية مؤثرة، بينما تتجه بعض الفئات إلى التعامل مع الهيئات المحلية بوصفها مؤسسات ذات منفعة خدماتية ومالية أكثر من كونها أدوات تمثيل سياسي.
التأثير على المشهد السياسي القادم
في ظل حكومة اليمين الإسرائيلي، التي تعمل على تذويب المرجعيات السياسية الفلسطينية، يبرز توجه إسرائيلي نحو تعزيز الانفتاح على القوى المجتمعية والمحلية، وقد تصبح البلديات، خاصة الكبرى منها، جزءاً من هذا النمط من التنسيق خلال المرحلة المقبلة.
نجاح أو فشل هذا التوجه قد ينعكس مستقبلاً على شكل العلاقة مع السلطة الفلسطينية وحدود حضورها السياسي والإداري.
في المقابل، ترى حركة فتح في استمرار العملية الانتخابية رسالة موجهة للخارج تؤكد وجود حياة سياسية قادرة على تلبية متطلبات الجهات المانحة والداعمة، ورسالة أخرى للداخل الفلسطيني مفادها أن السلطة الفلسطينية ما تزال تمسك بزمام المشهد في الضفة الغربية رغم الأزمات المتعددة.
كما لا ينفصل هذا المشهد عن التحضيرات الجارية داخل حركة فتح لاستحقاقاتها التنظيمية المقبلة، والتي تبدو مرتبطة بالتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها الحركة