نعم .. سيكون شرق اوسط جديد ولكن ليس على مقاس نتنياهو
نبهان خريشه
منذ الأيام الأولى للحرب على غزة، لم يخفِ بنيامين نتنياهو طموحه في إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية يعتبرها تاريخية، تقوم على فرض معادلات ردع جديدة تنهي ما يسميه "محور التهديد"، وتفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية تكرس تفوق إسرائيل وتطبيع حضورها كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها. مي. ولم يكن ذلك بمعزل عن تفاعل حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، الذي رغم الضربات القاسية التي تلقاها، لم ينهَر كما توقّع نتنياهو، بل شارك بفعالية في الحرب، موسعا نطاق الاشتباك ليشمل عمق إسرائيل، من شمالها إلى وسطها وجنوبها.
هذا التطور يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري. فهو يعكس فشلا في تقدير طبيعة الخصوم، الذين لا يعملون ضمن منطق الدولة التقليدية فقط، بل ضمن شبكات مرنة من التحالفات والقدرات غير المتماثلة. كما يكشف حدود القوة العسكرية عندما تستخدم لتحقيق أهداف سياسية قصوى دون امتلاك أدوات مرافقة قادرة على إدارة ما بعد الحرب.
أما في غزة، فعلى الرغم من الكلفة الإنسانية الهائلة والدمار غير المسبوق، لم تختف حركة حماس من المشهد. صحيح انها أُضعفت عسكريا، لكن حضورها السياسي لم يُمحَ، ولا تزال تمثل، شئنا أم أبينا، أحد الفاعلين الأساسيين في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالقضية الفلسطينية. وهذا بحد ذاته يشكل ضربة أخرى لفكرة "الحسم النهائي" التي سعى نتنياهو إلى تسويقها.
ولعل أحد أخطر ارتدادات هذه الحروب تمثل في أزمة الطاقة العالمية التي تفجرت نتيجة اتساع رقعة المواجهة وتهديد طرق الإمداد الحيوية. هذه الأزمة، التي تحتاج إلى وقت طويل للتعافي، لم تضر فقط باقتصادات الدول الكبرى، بل كشفت أيضا هشاشة النظام العالمي في مواجهة صراعات إقليمية متشابكة. وهنا، يمكن القول إن سعي نتنياهو لفرض “شرق أوسط جديد” لم يؤدِ إلى إعادة ترتيب الإقليم فحسب، بل ساهم في تسريع تحولات أوسع في بنية النظام الدولي نفسه.
أما داخليا، تبدو إسرائيل مقبلة على لحظة سياسية مفصلية. فمع اقتراب الانتخابات العامة في أكتوبر، تتراكم تداعيات الحروب التي خاضتها منذ عام 2022، والتي، رغم ما حققته من إنجازات تكتيكية، أفضت إلى خسائر استراتيجية عميقة. هذه الخسائر لا تقاس فقط بعدد الجبهات المفتوحة أو حجم الاستنزاف، بل بتآكل صورة الردع، وتراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية.
في هذا السياق، يبدو احتمال نجاح نتنياهو في إعادة تشكيل ائتلاف مشابه للائتلاف الحالي ضعيفا. فالرجل، الذي عمل لسنوات على تهميش منافسيه داخل اليمين، يجد نفسه اليوم أمام فراغ قيادي يصعب ملؤه. وإذا ما خرج من الحياة السياسية لأي سبب، فإن إسرائيل ستدخل مرحلة انتقالية تفتقر إلى شخصية قادرة على ضبط توازنات اليمين المتشظي. وفي المقابل، لا يبدو اليسار الإسرائيلي في وضع يسمح له بملء هذا الفراغ، إذ يعاني هو الآخر من هشاشة سياسية وفكرية.
هذا الوضع ينذر بتحول عميق في طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي بحلول عام 2027. فقد لا تعود إسرائيل كما كانت، لا من حيث توازن القوى الداخلية، ولا من حيث موقعها الإقليمي. قد نشهد صعود تيارات أكثر تطرفا، أو العكس، عودة تدريجية إلى خطاب أكثر اعتدالا تحت ضغط الواقع، لكن المؤكد أن مرحلة ما بعد نتنياهو، إن حدثت، ستكون مختلفة جذريا.