مفاوضات باكستان.. مسرحية أم فخ؟
في الوقت الذي تنهمك فيه وسائل الإعلام الدولية في صقل صورة طاولات الحوار في باكستان وتسويق مشاهد الدبلوماسية الهادئة، ثمة حقيقة أكثر قتامة تهمس بها كواليس الغرف المغلقة.
الحقيقة التي يغض الطرف عنها هي أن: المواجهة مع إيران لم تعد سيناريو افتراضياً مؤجلا بل تحولت إلى خيار استراتيجي بات محسوماً، ولا يفصلنا عن تجسيده على أرض الواقع سوى ساعة الصفر التي تقترب بخطىً حثيثة خلال الأسبوعين المقبلين.
إن ما نشهده من حراك في العاصمة الباكستانية ليس سوى فصل متقن من فصول التمويه الاستراتيجي.
فالمعطيات اللوجستية والعسكرية الميدانية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الهدف الجوهري لا يتعلق البتة ببلوغ تسوية سلمية، بل بشراء وقت ثمين لاستكمال غايتين وجوديتين لا تقبلان مزيداً من التأخير.
أولا": تعزيز المنظومة الدفاعية
الإسراع في استجلاب ونشر أرقى منظومات الدفاع الجوي المتطورة لتحصين الجبهة الداخلية الإسرائيلية من تداعيات رد انتقامي قد يكون زلزالياً.
ثانياً: إعادة التمركز والتموين
رفع مستوى الجهوزية القتالية للقواعد الأمريكية المنتشرة في الإقليم وتعزيز متانتها اللوجستية لاستيعاب ضغوط الاشتباك المباشر واحتمالات الصدام الشامل.
من يتوهم أن شرارة التصعيد قد خبت، إنما يقرأ في الظاهر دون أن يبصر الجمر تحت الرماد. فالمنطق الجيوسياسي الرصين يفرض تساؤلات كبرى تنسف أي أطروحة للتهدئة،
أيُعقل أن تتراجع إدارة ترامب عن أداة الضغوط القصوى لتهدي طهران نصراً مجانياً يُخلّد في سجلات التاريخ كفشل استراتيجي ذريع؟ إن رفع الحصار الآن ليس سوى سراب سياسي لا وجود له في قاموس المصالح الأمريكية.
أمن الطاقة العالمي وخط أحمر عند هرمز
إن قبول واشنطن بفرض إيران هيمنتها على ممر هرمز الحيوي يتصادم بشكل جوهري مع العقيدة البحرية الأمريكية، فإغلاق هذا الشريان بالنسبة لأمريكا لا يُصنف كشرط تفاوضي، بل هو إعلان صريح للحرب.
فخ الانتصار المنقوص
هل يعقل أن تخوض واشنطن وتل أبيب معركة ضارية تتكبدان فيها خسائر بشرية ومادية في القواعد والأرواح، ليكون الختام هو الرضوخ للإملاءات الإيرانية؟
دروس التاريخ تعلمنا أن الحروب لا تُطوى صفحاتها بنصر المشاكس، إلا إذا كان مصحوباً بإخضاع كامل للخصم، وهو السيناريو الذي لم يتحقق بعد.
إننا نقف على أعتاب مناورة التفافية كبرى، حيث أن الشروط الإيرانية التي يراد ترويجها كنصر دبلوماسي قد لا تكون إلا طعماً ذهبياً لاستدراج الجميع نحو شرعنة الضربة المقبلة.
ما نراه اليوم في باكستان ليس طقساً من طقوس السلام، بل هو أقرب إلى مستشفى ميداني يضمد فيه الخصوم جراحهم السطحية، ويعيدون فيه تلقيم مدافعهم الثقيلة استعداداً للفصل الأخير من دراما إقليمية ستعيد تشكيل خارطة النفوذ.
خلاصة المشهد
الدبلوماسية القائمة اليوم ليست سوى جرعة تخدير موضعي لوعي الرأي العام؛ ومن يظن أن المواجهة قد طويت صفحتها وفق شروط طهران، فهو يقرأ بخلاف ما تخطط له غرف العمليات العسكرية.
استعدوا، فما الصمت المطبق الراهن إلا هدوء خادع يسبق رياح الإعصار، وهذه المفاوضات ليست سوى فاصل إعلاني قصير قبل بدء العرض المهيب.