مدينة رفح الإنسانية... بين الحاجة الإنسانية والمرجعيات القانونية والحقوقية
شاركت مؤخراً في ورشة عمل وطنية نظمتها القوى الوطنية بعنوان "مدينة رفح الإنسانية... الواقع والتحديات"، بحضور نخبة من الشخصيات الوطنية والمجتمعية من مختلف الاتجاهات، حيث دار نقاش واسع حول المشروع وأبعاده المختلفة، وما يمكن أن يترتب عليه من آثار مرتبطة بالواقع الإنساني في قطاع غزة ومستقبل إعادة الإعمار. ورغم أن الحديث عن المشروع ما زال في إطار الطروحات الأولية والتقارير المتداولة عبر وسائل الإعلام وتحليلات المراقبين، فإن الاهتمام الشعبي والوطني المبكر بهذه القضية يمثل مؤشراً إيجابياً، لأنه يعكس إدراكاً لأهمية مناقشة آثار أي مشروع قبل دخوله حيز التنفيذ، وليس بعد أن يصبح أمراً واقعاً. وقد أظهر النقاش أن القضية لا تتعلق فقط بإنشاء مدينة جديدة أو توفير أماكن للسكن في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون، وإنما ترتبط بمجموعة من القضايا القانونية والإنسانية والحقوقية التي تحتاج إلى دراسة معمقة قبل اتخاذ أي موقف أو حكم. فالمشروعات لا تُقاس بالعناوين التي تحملها، وإنما بمرجعياتها القانونية، وأهدافها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها، ومدى احترامها لحقوق الإنسان وكرامته.
وفي هذا السياق، فإن إطلاق وصف "الإنسانية" على أي مشروع لا يكفي وحده لمنحه المشروعية، فكثيراً ما تُستخدم الأوصاف الإنسانية في أوقات الحروب والأزمات لتقديم المبادرات والمشروعات باعتبارها حلولاً للتخفيف من معاناة المدنيين. غير أن إطلاق صفة "الإنسانية" على أي مشروع لا يكفي وحده لإضفاء المشروعية عليه، لأن الإنسانية ليست مجرد شعار أو عنوان، بل هي منظومة متكاملة تقوم على احترام الإنسان وحقوقه الأساسية، وفي مقدمتها حقه في الكرامة، والملكية، وحرية الاختيار. ومن هنا يبرز أول سؤال ينبغي أن يسبق أي نقاش حول الموضوع: مسألة الولاية القانونية على إنشاء مدينة جديدة داخل قطاع غزة. فهذه القضية لا تتعلق فقط بالجانب الهندسي أو التنظيمي، وإنما ترتبط بطبيعة الاختصاصات المدنية والإدارية المتعلقة بإدارة الإقليم والسيادة والولاية القانونية. فعملية إنشاء المدن، وتخصيص الأراضي، وتنظيم التجمعات السكانية، وإدارة الخدمات، تحتاج إلى جهة صاحبة اختصاص وسند قانوني واضح.
من حيث الأصل القانوني، فإن هذه الصلاحيات تدخل ضمن الولاية الفلسطينية، ولا يمكن لأي جهة أخرى ممارسة مثل هذه الاختصاصات إلا بناءً على مرجعية قانونية محددة، سواء من خلال اتفاق نافذ، أو تفويض صادر عن الجهة الفلسطينية المختصة، أو قرار دولي يحدد بدقة طبيعة الصلاحيات وحدودها وآليات تنفيذها. كما أن الترتيبات الأمنية أو التفاهمات السياسية لا تمنح بذاتها الحق في إنشاء مدن جديدة أو إعادة تنظيم التوزيع السكاني، ما لم تستند إلى إطار قانوني واضح يحدد المسؤوليات ويحفظ حقوق السكان وأصحاب الأراضي. ولذلك فإن أي نقاش حول المشروع يجب أن يبدأ من وضوح مرجعيته القانونية، والجهة التي تمتلك صلاحية اتخاذ القرار وإدارة هذا التجمع بعد إنشائه.
الجانب الإنساني لا يقل أهمية عن الجانب القانوني، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، وما نتج عنها من نقص حاد في الغذاء والدواء والمأوى والخدمات الأساسية. فهذه الظروف تفرض ضرورة التوقف أمام مسألة حرية الاختيار، لأن الإنسان الذي يعيش تحت ضغط الحاجة الشديدة قد لا تكون خياراته مماثلة لما يمكن أن يختاره في الظروف الطبيعية. إن توفير الاحتياجات الإنسانية للناس واجب لا خلاف عليه، لكن التعامل مع الإنسان في ظروف الأزمات يجب ألا يقتصر على توفير المأوى والخدمات، بل يجب أن يشمل حماية إرادته وكرامته وحقه في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبله بعيداً عن أي ضغوط ناتجة عن فقدان البدائل. فحرية الاختيار لا تُقاس بمجرد وجود خيارات متاحة، وإنما بقدرة الإنسان على اتخاذ قراره بعيداً عن الإكراه أو الضغط الناتج عن ظروف قاهرة. ولهذا فإن أي مشروع يرتبط بانتقال السكان يحتاج إلى ضمانات واضحة تؤكد أن الخدمات والاحتياجات الأساسية حق لجميع المواطنين دون تمييز، وأن أي انتقال يتم على أساس إرادة حقيقية وليس نتيجة ظروف فرضتها الحرب أو الحصار أو غياب الخيارات الأخرى.
أما على المستوى الإعلامي، فإن التعامل مع المشروع يحتاج إلى خطاب قادر على مخاطبة الرأي العام الدولي باللغة التي يفهمها، فإذا كان المشروع يقدم للعالم تحت عنوان "مدينة إنسانية"، فإن الخطاب الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على الرفض السياسي، بل يجب أن يناقش المشروع وفق المعايير التي تستند إليها المجتمعات الدولية في تقييم المبادرات الإنسانية، وهي معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي والكرامة الإنسانية. فالإنسانية في مفهومها الحقيقي لا تعني فقط بناء المساكن أو تقديم الخدمات، وإنما تشمل أيضاً احترام حق الإنسان في أرضه وملكيته، وحماية حريته في الاختيار، وعدم استغلال ظروفه الصعبة لفرض واقع جديد عليه. ومن هنا فإن الخطاب الفلسطيني يحتاج إلى مخاطبة الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من الدول المؤثرة بلغة تشكل أساساً لثقافة تلك المجتمعات، والتأكيد على أن أي مشروع إنساني حقيقي لا يمكن أن يتعارض مع حقوق الإنسان، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة للمساس بحقوق الملكية أو التأثير في مستقبل السكان أو إعادة تشكيل الواقع السكاني تحت ضغط الحاجة.
إن المطلوب ليس رفع الصوت فقط، وإنما تقديم خطاب هادئ ومهني يستخدم ذات المصطلحات التي يقدم بها المشروع نفسه، ويعيد تعريف مفهوم الإنسانية وفق معاييره الحقيقية. فالمشكلة تبدأ عندما تتحول الإنسانية إلى عنوان يُستخدم لتجاوز الأسئلة القانونية أو تغييب الحقوق الأساسية، التي تشمل احترام الحقوق القانونية للإنسان، وكرامته، وحقه في أرضه، وحقه في اتخاذ قراراته بحرية كاملة، إضافة إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مستقبله ضمن إطار الشرعية الدولية. لذلك فإن النقاش حول "مدينة رفح الإنسانية" يجب ألا ينحصر في شكل المدينة أو الخدمات التي ستقدم فيها، وإنما ينبغي أن يمتد إلى أسئلة المشروعية القانونية، وحماية الحقوق، وضمان الإرادة الحرة للسكان، ومستقبل إعادة الإعمار بشكل كامل، حتى لا تتحول الحلول المؤقتة إلى وقائع دائمة يصعب تغييرها. كما إن الدفاع عن الإنسان الفلسطيني لا يكون فقط بتوفير احتياجاته المعيشية، وإنما أيضاً بحماية حقه في أرضه، وملكيته، وكرامته، وحقه في أن يكون شريكاً في تقرير مستقبله. فهذه هي الإنسانية التي ينبغي أن نتفق عليها جميعاً؛ إنسانية قريبة من القانون والعدالة والحق، وبعيدة عن الشعارات.