اليوم العالمي لحرية الصحافة: حين يصبح الصوت الحرّ هدفًا
في الثالث من مايو من كل عام، يحتفي العالم بـ"اليوم العالمي لحرية الصحافة"، مناسبة يفترض أن تُكرّس لحماية الكلمة الحرة وتعزيز دور الصحفيين في نقل الحقيقة. لكن في أماكن كثيرة من العالم، وخاصة في مناطق النزاع، يتحول هذا اليوم إلى وقفة ألم أكثر منه احتفالًا، حيث يدفع الصحفي ثمن الحقيقة من دمه، ويُستهدف لأنه اختار أن يكون صوتًا لا يُشترى.
في غزة، لا يشبه العمل الصحفي أي مكان آخر. هنا، لا يحمل الصحفي فقط كاميرته أو قلمه، بل يحمل روحه على كفه. يتحرك بين الركام، تحت القصف، وفي ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإمكانيات، ليُوثّق ما لا يريد العالم أحيانًا أن يراه. الصحفي في غزة لا يغطي الحدث من الخارج، بل يعيش تفاصيله: قد يكون منزله قد دُمّر، أو فقد أحد أفراد عائلته، ومع ذلك يواصل العمل لأن الحقيقة بالنسبة له ليست خيارًا… بل واجب.
ولم يكن استهداف الصحفيين في غزة أمرًا عابرًا، بل نمطًا متكررًا. عشرات الصحفيين سقطوا خلال السنوات الأخيرة، بعضهم أثناء تغطية مباشرة، وآخرون داخل منازلهم. من بين أبرز هذه الأسماء، الصحفية شيرين أبو عاقلة التي قُتلت أثناء تغطيتها الميدانية، لتصبح رمزًا عالميًا لثمن الكلمة الحرة.
ولا يختلف المشهد كثيرًا في لبنان، حيث يواجه الصحفيون تحديات أمنية وسياسية معقدة، تتراوح بين التهديد المباشر والضغوط غير المعلنة. في أوقات التوتر، يتحول الصحفي إلى هدف، خاصة عندما يقترب من مناطق حساسة أو ينقل روايات لا تتماشى مع مصالح القوى المتصارعة.
وفي مناطق أخرى من العالم، من أوكرانيا إلى سوريا واليمن، تتكرر المأساة ذاتها: صحفيون يُقتلون لأنهم وثّقوا، يُعتقلون لأنهم كشفوا، أو يُهددون لأنهم رفضوا الصمت. إنها معركة مستمرة بين الحقيقة ومحاولات طمسها.
الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة أخلاقية وإنسانية. وعندما يُقتل صحفي، لا يُقتل شخص فقط، بل تُغتال قصة، وتُطمس شهادة، ويُخنق جزء من الحقيقة. لذلك، فإن الحديث عن حرية الصحافة لا يجب أن يبقى شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل يجب أن يتحول إلى حماية فعلية، ومحاسبة حقيقية لكل من يستهدف الصحفيين.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نقول "كل عام والصحافة بخير"، بل يجب أن نسأل: هل الصحافة بخير فعلًا؟ وهل الصحفي آمن وهو يحمل الكاميرا بدل السلاح؟
قد لا يملك الصحفي درعًا يحميه، لكنه يملك ما هو أخطر في نظر من يخشون الحقيقة: صوتًا لا ينكسر.