الصمود صار عبئًا على الناس، لا فضيلة تُروى
منذ أكثر من نصف قرن ونحن نُنشد كلمة واحدة كلما اشتدت الأزمة: صامدون. صمد أهل غزة تحت الحصار، وصمدت الضفة تحت الإغلاقات، وصمدت الأسرة الفلسطينية أمام غلاء لا ينتهي وراتب لايصل.
والكلمة صحيحة تاريخيًا واجتماعيًا؛ لا أحد ينكر أن هذا الشعب أثبت قدرة على التحمل نادرة في تاريخ الشعوب.
لكن السؤال الذي توقفنا عن طرحه هو: صمود إلى متى، وعلى حساب من؟
المشكلة ليست في وصف الناس بالصمود، المشكلة أن الكلمة تحوّلت مع الوقت، من وصف لواقع مؤلم إلى غطاء يعفي الجميع من المساءلة.
تعفي غياب السياسة من نقدها، وتعفي غياب الإنتاج من مواجهته، وتعفي كل تأجيل للإصلاح من كلفته، وتعفي من قامر بحياة الناس بحروب غير محسوبة .
حين يُصفَّق للصامد بدل أن يُسأل من يوفر له شروط الصمود، تكون الكلمة قد انقلبت على معناها.
فالأرقام التي لا يقولها الخطاب:
الأونكتاد، في أحدث تقاريره، وضع رقمًا يستحق أن يتصدر كل نقاش حول الصمود: بين عامي 2000 و2024 خسر الاقتصاد الفلسطيني ما لا يقل عن 212 مليار دولار من إمكاناته الاقتصادية غير المتحققة — أي ما يعادل عشرين ضعف الناتج المحلي الإجمالي الفعلي لعام 2024.
هذا الرقم لا يقيس الدمار وحده، بل يقيس شيئًا أعمق: كل ما كان يمكن أن يُبنى ولم يُبنَ، كل مصنع لم يُفتح، وكل أرض لم تُزرع، لأن شرط الصمود الوحيد المتاح كان التحمل، لا الإنتاج.
وأرقام البنك الدولي لا تقل قسوة: دين عام تجاوز 86% من الناتج المحلي نهاية 2024 ومتجه إلى نحو 96% في 2026، ومتأخرات مالية تمثل أكثر من نصف هذا الدين، بعضها رواتب متأخرة وبعضها مستحقات لصندوق التقاعد ولمزودي الأدوية وغيرها .
هذه ليست تفاصيل محاسبية؛ إنها الوجه الحقيقي لكلمة “صامدون” حين تُترجم إلى ميزانية أسرة لم تستلم راتبها كاملًا منذ أشهر.
حين يصبح الصمود بديلاً عن كل شيء
هنا تكمن الخطورة: الصمود، كما استُخدم خطابيًا، تحوّل إلى بديل عن التنمية، وبديل عن العدالة في توزيع الأعباء، وبديل عن حوكمة تُحاسب من يدير الموارد.
يُطلب من المواطن أن يصمد أمام غلاء الأسعار، بينما يُطلب من الدولة في الضفه او من في مقامها في غزة جبرا فقط أن “تدير” الأزمة.
يُطلب من صاحب المحل أن يصمد أمام إغلاق السوق، بينما لا يُطلب من أي جهة أن تبني له بديلًا. الصمود، بهذا المعنى، صار توزيعًا غير عادل للكلفة: يتحملها الفرد وحده، بينما يُكتفى من المستوى الأعلى بالتصفيق له.
ابن خلدون، قبل قرون، كان قد ميّز بين عمران يكتفي بالكفاف وعمران ينتج فائضًا يُبنى عليه مجتمع.
الصمود بمعناه الحالي أوقفنا عند حدّ الكفاف: نجاة يومية لا تراكم فيها ولا بناء. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال مشروعًا: هل الصمود الذي نعيشه اليوم يبني قدرة، أم يستنزف ما تبقى منها؟
الصمود يحتاج شروطًا، لا تصفيقًا فقط
الخلاصة التي تستحق أن تكون جملة حاكمة لهذه المرحلة: الصمود ليس بديلاً عن العدالة، ولا عن التنمية، ولا عن الإنتاج، ولا عن الحوكمة. هو قدرة حقيقية يملكها هذا الشعب، لكنها قدرة تُستنزف حين تُترك بلا أدوات تحوّلها إلى بناء: تمويل إنتاجي حقيقي، شبكات أمان اجتماعي (كالوقف والزكاة بصورتهما الإنتاجية لا الإغاثية فقط)، وسياسات تحاسب لا تكتفي بالتضامن اللفظي.