الصمود الفلسطيني: من احتمال الأزمة إلى بناء القدرة
لم يعد كافياً أن نصف الفلسطيني بأنه صامد، ثم نكتفي بالتصفيق لهذه القدرة الاستثنائية على الاحتمال. فالصمود، إذا لم يتحول إلى قدرة على الإنتاج والتنظيم والحماية، قد يصبح وصفاً نبيلاً لمعاناة مستمرة، لا مشروعاً للخروج منها.
الصمود الذي نحتاجه اليوم لا يعني أن يبقى الإنسان واقفاً حتى ينهك، بل أن تُبنى حوله شروط البقاء الكريم: عمل، أرض، تمويل، سوق، حماية، وثقة.
في الأدبيات الاجتماعية، لا يُفهم الصمود الفلسطيني بوصفه حالة نفسية فردية فقط، بل بوصفه مفهوماً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً. فهو يرتبط بالبقاء في الأرض، وحماية الأسرة والمجتمع والكرامة والهوية، ومواجهة سياق طويل من الاحتلال والحرمان ونقص الموارد وضعف البنية التحتية. وتؤكد دراسات حول مفهوم Sumud أن الصمود الفلسطيني يتجاوز الاحتمال الفردي إلى كونه فعلاً اجتماعياً وجماعياً مرتبطاً بالبقاء في المكان وحماية المجتمع والهوية.
لكن الصمود لا يُقاس فقط بقدرة الإنسان على البقاء، بل بقدرته على ألا يُستنزف وهو يبقى. هنا تكمن المشكلة. فحين تصمد الأسرة عبر تقليل الطعام أو تأجيل العلاج أو استهلاك المدخرات أو إلغاء مشروع مستقبلي، فإنها لا تبني قدرة جديدة بقدر ما تؤجل الانهيار.
هذا ما يمكن تسميته بـ الصمود الاستنزافي: صمود يدفع الناس كلفته من غذائهم، ومدخراتهم، وأحلامهم المؤجلة.
وتشير دراسة حديثة حول الصمود الاجتماعي لدى الأسرة الفلسطينية أثناء حرب غزة إلى أن أبرز استراتيجيات التكيف مع الأزمات المالية تمثلت في تقليل المصاريف اليومية والكماليات، وتأجيل المشاريع المستقبلية، واستخدام المدخرات، بينما كان الحصول على مساعدة مالية حكومية من أقل الاستراتيجيات استخداماً.
هذه النتيجة تضعنا أمام سؤال صعب: هل نحن أمام مجتمع يبني قدرة جديدة، أم أمام مجتمع يستهلك ما تبقى لديه كي يواصل البقاء؟
على المستوى الاقتصادي، تكشف التقارير الدولية والمحلية أن الواقع الفلسطيني لا يعيش أزمة عابرة، بل تراجعاً عميقاً في القدرة الإنتاجية. فقد ذكر تقرير الأونكتاد لعام 2025 أن الاقتصاد الفلسطيني شهد في عام 2024 أشد تراجع له، وأن البنية التحتية الحيوية تضررت، بما في ذلك المصانع، والأعمال التجارية، والبنوك، وأصول الطاقة والمياه والاتصالات والزراعة، كما أشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في الأرض الفلسطينية المحتلة انخفض في عام 2024 إلى 70% من مستوى عام 2022.
كما يوضح البنك الدولي أن النمو السابق كان مدفوعاً بالاستهلاك أكثر من القطاعات الإنتاجية، وأن النشاط الاقتصادي في غزة كان فعلياً شبه متوقف في أوائل عام 2025، مع ارتفاع البطالة إلى 69% في غزة و29% في الضفة الغربية. وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية أن الاقتصاد بقي في ركود عميق خلال عام 2025، وأن الخدمات تشكل نحو 60% من الاقتصاد، مقابل نحو 19% فقط للقطاعات الإنتاجية الداعمة للنمو.
هذه الأرقام تقود إلى نتيجة واضحة: الصمود الاجتماعي لا يستطيع أن يستمر طويلاً إذا ظل الاقتصاد ضعيف الإنتاج. لا يمكن للأسرة أن تصمد إلى ما لا نهاية عبر تقليل الإنفاق، ولا يمكن للمجتمع أن يستمر فقط بالمساعدات، ولا يمكن للاقتصاد أن يبقى معتمداً على الاستهلاك والخدمات والرواتب المتقطعة والتحويلات غير المستقرة.
من هنا يجب أن ننتقل من الصمود الاحتمالي إلى الصمود الإنتاجي.
الصمود الاحتمالي يعني أن يتحمل الناس الأزمة. أما الصمود الإنتاجي فيعني أن يمتلكوا أدوات البقاء داخل الأزمة: أرضاً تُزرع، وورشة تعمل، وتعاونية تسوّق، وتمويلاً يصل إلى المنتج، وطاقة تخفض التكلفة، وحماية اجتماعية لا تكتفي بالإغاثة بل تبني القدرة.
ولا يكون هذا الانتقال بالشعارات. إذا أردنا تحويل الصمود إلى قدرة، فالمطلوب خمس خطوات عملية:
أولاً، توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية لا الاستهلاك فقط.
ثانياً، ربط الحماية الاجتماعية بالإنتاج عبر دعم الأدوات والمعدات والتدريب لا المساعدة النقدية وحدها.
ثالثاً، تقوية التعاونيات والبلديات والمبادرات المحلية بوصفها شبكات صمود اقتصادية واجتماعية.
رابعاً، تطوير الوقف والزكاة باتجاه تمكين إنتاجي يحفظ الكرامة ويبني دخلاً.
خامساً، تحسين الحوكمة والشفافية حتى يشعر المواطن أن الموارد تُدار بعدالة، وأن الصمود لا يقع على كتفه وحده.
وهنا يمكن للتمويل الإسلامي أن يقدّم مساهمة عملية، بشرط أن يخرج من دائرة التمويل الاستهلاكي والمنتجات المصرفية الضيقة إلى تمويل الأرض والعمل والمعدات والمشاريع الصغيرة. فالسَّلَم يمكن أن يخدم المزارع قبل الحصاد، والإجارة يمكن أن تمول المعدات والطاقة، والاستصناع يمكن أن يدخل في الورش والمخازن والوحدات الإنتاجية، والمشاركة يمكن أن تدعم التعاونيات، والوقف الإنتاجي يمكن أن يتحول إلى أصل يخدم الفقراء المنتجين بدلاً من أن يبقى دعماً مؤقتاً.
هذه الأدوات ليست حلولاً سحرية، لكنها تفتح طريقاً عملياً إذا وُضعت داخل إطار واضح من الحوكمة وإدارة المخاطر والسوق. فالتمويل، مهما كان إسلامياً أو تنموياً، لا ينجح إذا لم يعرف المشروع، والمنتج، والمخاطر، والوثائق، والمشتري، والطريق إلى السوق.
لذلك فإن الصمود الإنتاجي يحتاج إلى عقل مؤسسي لا يقل أهمية عن المال نفسه.
والأهم أن الصمود يحتاج إلى مؤسسات. فصمود الناس لا يعفي المؤسسات من واجبها. بل إن صمود الناس يجب أن يقابله إصلاح في إدارة الموارد، وعدالة في الاستهداف، وشفافية في الدعم، وربط بين الإنفاق العام والقطاعات المنتجة. تشير أوراق معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” حول الاقتصاد والحماية الاجتماعية في خضم الحرب إلى أهمية ربط السياسات الاقتصادية والاجتماعية بالقدرة الإنتاجية، والحماية الاجتماعية، والحوكمة، والتماسك الاجتماعي.
حين تغيب الثقة، يضعف الصمود. وحين لا يرى المواطن أثراً عادلاً للسياسات، يتحول الصمود من طاقة جماعية إلى عبء فردي.
لذلك، فإن السؤال الوطني اليوم ليس: هل الفلسطيني صامد؟ نعم، الفلسطيني صامد. لكن السؤال الأعمق: هل نوفّر له شروط الصمود؟ هل نحمي أرضه؟ هل ندعم إنتاجه؟ هل نمول مشروعه؟ هل نقوي تعاونيته؟ هل نخفف كلفة الطاقة عنه؟ هل نفتح له طريقاً إلى السوق؟ هل نمنحه حماية اجتماعية تحفظ كرامته وتبني قدرته؟
الصمود الحقيقي ليس أن يبقى الإنسان واقفاً حتى ينهك، بل أن تُبنى حوله شروط البقاء الكريم.
فلسطين لا تحتاج فقط إلى مجتمع يتحمل الأزمة. فلسطين تحتاج إلى مجتمع ينتج داخلها. وعندها فقط ينتقل الصمود من احتمال الأزمة إلى بناء القدرة.