الانتخابات التشريعية: صناديق اقتراع جاهزة وقرار محتمل بتأجيلها!
بدأت في السادس والعشرين من أيلول فترة ترشح القوائم للانتخابات التشريعية الفلسطينية، وتمتد، بعد تعديل قانوني، حتى الثالث عشر من تشرين الأول وفق الجدول الذي وضعته لجنة الانتخابات المركزية للاقتراع المقرر في الثامن والعشرين من تشرين الثاني. هذه خطوة تمنح الاستحقاق شكلا ملموسا: قوائم تُعد، ومرشحون يختارون مواقعهم، ولجنة تمضي في الإجراءات. لكن السؤال الذي يسمعه الفلسطيني كلما اقترب موعد انتخابي لا يتعلق بقدرة اللجنة على طباعة أوراق الاقتراع أو فتح المراكز. السؤال أبسط وأثقل: هل ستُجرى الانتخابات فعلا؟
أعتقد أن احتمال تأجيلها أكبر من احتمال إجرائها في موعدها، فالجاهزية الفنية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها تجاوز الاحتلال والانقسام وحسابات القوى التي ستدخل الانتخابات وهي غير واثقة مما سيخرجه الصندوق.
تستحق لجنة الانتخابات أن يُنظر إلى عملها بجدية. لقد أعلنت المواعيد وفتحت باب الترشح، وتتيح إجراءاتها تقديم طلبات القوائم عبر مقارها في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي مجتمع حُرم من انتخاب مجلس تشريعي جديد منذ عام 2006، لا يجوز الاستخفاف بأي خطوة تعيد إلى المواطن شعوره بأن صوته قد يكون مطلوبا. لكن اللجنة تدير العملية الانتخابية؛ وهي لا تملك القرار السياسي بشأن استمرارها، ولا السلطة التي تكفل سلامة كل ناخب ومرشح وموظف في وجه إجراءات الاحتلال.
تظهر القدس عند هذه النقطة بوصفها اختبارا للإرادة السياسية، لا مجرد مشكلة في اختيار مراكز الاقتراع. يستطيع الفلسطينيون مناقشة ترتيبات عملية تتيح لأهلها التصويت وتحمي حقهم في المشاركة، ويمكنهم طلب إسناد دولي لهذه الترتيبات. لكن أي عرقلة إسرائيلية ستطرح سؤالا لا تجيب عنه اللجنة وحدها: هل تتمسك القيادة بالانتخابات وتبحث عن سبيل لإجرائها، أم تجعل الاعتراض الإسرائيلي سببا لإرجائها؟ هذا السؤال ليس افتراضيا تماما؛ فقد توقفت انتخابات 2021 بعدما بلغت مرحلة متقدمة من التحضير، وبقيت القدس في قلب مبررات التأجيل.
وغزة اليوم تضع أمام الانتخابات امتحانا أشد قسوة. لا يكفي القول إن القطاع جزء من الدائرة الانتخابية الفلسطينية، وهي عبارة صحيحة سياسيا وقانونيا. المطلوب أن يستطيع النازح الوصول إلى صندوق الاقتراع، وأن تُحدَّث بياناته، وأن يجد المرشح فرصة للتواصل مع الناس، وأن يعمل موظفو اللجنة والمراقبون في ظروف آمنة. لا يمكن مطالبة عائلة تبحث عن مأوى أو علاج بأن تتصرف كما لو أن الحياة عادت إلى طبيعتها. وفي المقابل، لا يجوز تحويل معاناة أهل غزة إلى حجة سهلة لحرمانهم من المشاركة في تقرير مستقبل الحكم الذي سيُقام باسمهم.
هناك بدائل ميدانية تستحق البحث الجاد: مراكز اقتراع تراعي مواقع النزوح، وتحديث مرن للسجل، وترتيبات خاصة لمن تعذر وصولهم إلى مراكزهم المعتادة. وقد أظهرت تجربة الاقتراع المحلي المحدود في دير البلح، في نيسان الماضي، أن تنظيم التصويت في بعض مناطق غزة ممكن عندما تتوافر ظروفه. لكنها لا تثبت أن اقتراعا تشريعيا عاما في القطاع كله يمكن إجراؤه بالشروط نفسها. الفارق بين مدينة واحدة وغزة بأكملها ليس تفصيلا لوجستيا.
ثم تأتي العقبة التي يفضّل كثيرون تأجيل الحديث عنها: ماذا سيحدث بعد إعلان النتائج؟ الانتخابات ليست احتفالا بيوم التصويت. إنها اتفاق مسبق على أن من يفوز سيمارس صلاحياته، وأن من يخسر سيقبل موقعه خارج الحكم، وأن المؤسسات ستتيح انتقال السلطة أو تقاسم المسؤوليات وفق القانون. إذا بقي كل طرف ينظر إلى نتيجة لا تعجبه بوصفها تهديدا لوجوده، فقد تصبح الانتخابات نفسها بابا إلى جولة جديدة من الانقسام.
لهذا تبدو الدعوات إلى الحوار الفلسطيني مفهومة، لكن قيمتها تتوقف على مضمونها. يحتاج الفلسطينيون إلى تفاهمات واضحة بشأن حرية الدعاية والترشح، وسلامة الاقتراع في الضفة وغزة والقدس، واحترام النتائج، وعلاقة المجلس التشريعي المقبل بالسلطة التنفيذية. أما الحوار الذي يبدأ كلما اقترب موعد الصندوق ثم ينتهي إلى موعد آخر، فلن يكون علاجا للانقسام. سيكون طريقة أكثر تهذيبا لتأجيل حق الناس في الاختيار.
ولا يمكن إغفال أن الناخب الفلسطيني تغير خلال العشرين عاما الماضية. جيل كامل بلغ سن الاقتراع ولم يسبق له أن اختار مجلسا تشريعيا. هذا الجيل لا يحمل بالضرورة الولاءات القديمة، ولا يُلزم نفسه بالصبر على الوجوه والخطابات نفسها. لذلك تخشى قوى سياسية نتائج الانتخابات لأسباب تتجاوز الاحتلال والظروف الميدانية. قد تخشى تراجع شعبيتها، أو انقسام قوائمها، أو ظهور قوى وشخصيات تسألها عما فعلته بالسلطة وبالقضية الوطنية. لا يعني ذلك أن كل من يدعو إلى التأجيل يريد حماية موقعه؛ فثمة مخاوف حقيقية تتعلق بالأمن والنزاهة والتمثيل. لكن اختلاط المخاوف الحقيقية بحسابات النفوذ هو بالضبط ما يجعل التأجيل مرجحا في رأيي.
من السهل أيضا أن يبالغ المتحمسون في الوعود. لن تنهي الانتخابات الاحتلال، ولن توحّد مؤسسات الفلسطينيين تلقائيا، ولن تصلح الاقتصاد بقرار من مجلس جديد. لكنها تستطيع أن تفتح باب المحاسبة وتجديد الشرعية، وأن تعيد الخلاف السياسي إلى ساحة علنية تحتكم إلى الناس. وبعد هذا الغياب الطويل، يصبح استمرار المؤسسات من دون تفويض متجدد أزمة قائمة بذاتها، حتى لو كانت ظروف الاقتراع صعبة.
لهذا لا أرى في بدء تسجيل القوائم دليلا كافيا على أننا سنصل إلى الثامن والعشرين من تشرين الثاني ونصوّت. أراه فرصة أخيرة تقريبا لإثبات أن الموعد أكثر من بند في جدول زمني. إذا وقع التأجيل، فلا يكفي بيان عام يحمّل "الظروف" المسؤولية. على من يتخذ القرار أن يوضح ما الذي منع الاقتراع تحديدا، وما البدائل التي دُرست، وما الخطوات المحددة التي ستزيل العوائق، ومتى يعود الفلسطينيون إلى الصندوق. أما ترك الموعد يسقط ثم انتظار مرسوم جديد، فسيضيف إلى أزمة الشرعية خيبة أخرى يصعب إقناع الناس بأنها مؤقتة.