الانتخابات الفلسطينية مع وقف التنفيذ: بين إرادة التجديد ومعضلة الخيارات
أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً بتحديد موعد لإجراء انتخابات المجلس التشريعي بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الحالي، بعد عشرين عاماً على إجراء آخر انتخابات تشريعية ورئاسية والتي عُقدت في عام 2005، وهذه ليست المرة الأولى التي تُحدد فيها مواعيد لإجراء الانتخابات ثم يتم تأجيلها؛ وكان آخرها عند تأجيل انتخابات عام 2021 لسبب منع الاحتلال الإسرائيلي إجراؤها في مدينة القدس وفق الاتفاقيات المعمول بها في الانتخابات السابقة التي جرى خلالها الاقتراع عامي 1996 و2005.
وتبقى الانتخابات مع وقف التنفيذ إلى يومنا هذا، والسؤال: هل ستُجرى الانتخابات في موعدها، أم أن هناك عوامل رئيسية وقاهرة قد تدفع إلى تأجيلها مرة أخرى؟
خلال الفترة السابقة، ومع إعلان موعد إجراء الانتخابات، جرى حراك سياسي وفصائلي ومجتمعي للاستعداد لخوضها، حيث أبدى الجميع حماسهم ودعوتهم إلى ضرورة وأهمية إجرائها، وقد ظهر للعيان وللمتابعين العديد من الأشكال والصيغ التحالفية ما بين الفصائل والتيارات السياسية والحزبية الفلسطينية، مما زاد من عمق الحراك الشعبي والجماهيري واستعدادِه وجهوزيتِه للانتخابات التي ستشكل مدخلاً وممراً إجبارياً لتوحيد مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لمؤسسة تمثيل الشعب الفلسطيني — والمقصود هنا المجلس التشريعي أو "السلطة التشريعية" — بعد تعطيلها وإلغائها على أثر الانقسام الفلسطيني الذي جرى عام 2006، والذي أدى إلى تجميد الحياة الديمقراطية وشكّل نقطة سوداء في تاريخ القضية الفلسطينية وتهديداً حقيقياً لوحدة مؤسسات النظام السياسي في فلسطين.
بعد هذا التعطيل وأحياناً التأجيل نظراً لعدم إجراء الانتخابات بشقيها التشريعي والرئاسي طوال هذه المدة — وسواء لأسباب موضوعية أو ذاتية — لا يمكننا أن نُنكر أن ما جرى في قطاع غزة من حرب إبادة جماعية، وتطهير عرقي تشهده الضفة الغربية، سوف يُؤخذ بعين الاعتبار لدى أصحاب القرار في كيفية التعاطي والتعامل مع التحديات التي تواجه تنفيذ أو القدرة على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد وفق المرسوم الرئاسي الأخير.
وقد تناما إلى مسامعنا أنه جرت مشاورات مع الأصدقاء والأشقاء العرب حول إمكانية إجراء الانتخابات أو تأجيلها، وما هي تداعيات الإجراء والتأجيل في ظل واقع فلسطيني صعب، مع عدم التقليل من معوقات الاحتلال الذي لم يُعلن لحد هذه اللحظة موافقته على إجراء الانتخابات والسماح لأهلنا في القدس بحرية القيام بالعملية الانتخابية. يضاف إلى ذلك قطاع غزة، حيث يسيطر الاحتلال على أكثر من 65% من مساحته؛ فهل سيسمح للجنة الانتخابات وطاقمها بحرية العمل وبدخول المستلزمات واللوجستيات التقنية للعملية الانتخابية إلى القطاع؟
برأيي، إن الاحتلال سوف يمنع بشتى الطرق ويعرقل إجراء الانتخابات، سواء في القدس أو قطاع غزة، وحتى في الضفة الغربية التي تشهد عمليات تطهير عرقي وممارسات عدوانية من قِبل عصابات المستوطنين، وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
لذلك، ما زالت العملية الانتخابية تواجه الكثير من التحديات والصعوبات التي قد تحول دون إجرائها في الوقت المحدد، علماً أنني أرى ضرورة ملحة لإجراء الانتخابات؛ ليس فقط كونها حقاً ديمقراطياً ودستورياً للشعب الفلسطيني — وهناك جيل كامل لم يشارك في الانتخابات تصويتاً وترشيحاً — بل لأن هناك أيضاً تحولات جرت في الشارع الفلسطيني تستدعي ضرورة إجرائها في ظل تكلس الحياة السياسية والحزبية التي أصبحت تشكل إحدى المعوقات الأساسية في مواجهة المخاطر والتحديات التي يعيشها الشعب الفلسطيني وتتعرض لها القضية الفلسطينية.
وفي ذات السياق، تعيش الحركة الوطنية الفلسطينية بكافة مكوناتها ومشاربها السياسية والفكرية أزمة بنيوية وبرامجية لم تشهد لها مثيلاً في قدرتها على مواجهة التحديات والمخاطر التي تعصف بالوجود الفلسطيني على الجغرافيا الفلسطينية. وهذا ما عبرت عنه الصهيونية الدينية والحكومة الإسرائيلية بأن مخططهما وسياستهما تهدف إلى طرد الشعب الفلسطيني من أرضه، وأن استراتيجيتهما تقوم على حسم الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.
بالمقابل، تفتقر الفصائل الفلسطينية إلى حوامل المواجهة والتصدي للسياسة العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني؛ ومن أبرز أسباب ذلك الترهل القيادي في هذه القوى السياسية، وأن ما جرى في قطاع غزة من إبادة ودمار لم يؤدِ إلى التعالي على الخلافات، أو إنهاء الانقسام الأسود، وتوحيد الصفوف في مواجهة أخطر حكومة إسرائيلية تريد شطب القضية الفلسطينية وإنهاء الوجود الفلسطيني، عدا عن الظروف الاقتصادية التي تزيد من صعوبة الحياة المعيشية للشعب الفلسطيني.
وهذا كله أظهر مدى الأزمة التي تعيشها الأحزاب الفلسطينية في قدرتها على التعاطي مع مستجدات الأوضاع السياسية، فضلاً عن فشلها في استقطاب شرائح وقطاعات مهمة من الشعب الفلسطيني، كالشباب والمرأة والعمال. وإن دل هذا على شيء، فإنما يشير بشكل واضح إلى ضعف برامجها وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وعجزها عن تلبية متطلبات هذه القطاعات الحيوية في صفوف الشعب الفلسطيني.
بالأمس، وعلى منبر الأمم المتحدة في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن السلطة الوطنية الفلسطينية تقود برنامج إصلاحات وحوكمة، وركز على أن الانتخابات التشريعية ستُجرى في موعدها، متطرقاً إلى برامج الإصلاح التي تنفذها السلطة، ومنها إجراء انتخابات مجالس اتحاد الطلبة، فضلاً عن توحيد برنامج الرعاية الاجتماعية.
ولعل هذه التطمينات والتعهدات التي قطعها الرئيس عباس أمام المجتمع الدولي قد تزيد من الإصرار والدفع باتجاه إجراء الانتخابات في موعدها، إلا أن القدرة على تهيئة الظروف الموضوعية للقيام بها في قطاع غزة والقدس تظل بالغة الصعوبة؛ وأهمها معوقات الاحتلال الإسرائيلي، والافتقاد إلى ضغوط دولية حقيقية وجادة وعلى رأسها من الولايات المتحدة الأمريكية لإجبار إسرائيل على السماح بإجراء الانتخابات الفلسطينية التي ينظر إليها غالبية دول العالم على أنها ضرورة وأهمية ملحة لتنفيذها.
وفي السياق ذاته، هناك إرادة فلسطينية جادة لضرورة توحيد مؤسسات النظام السياسي وضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية والتشريعية. ولا نُخفي أنه كانت هناك أوساط قيادية تدعو إلى تأجيل الانتخابات لموعد لاحق من أجل إجراء حوار وطني فلسطيني شامل، وتهيئة البيئة الداخلية، وتذليل العقبات الذاتية، والتوافق على آليات العملية الانتخابية كافة، بالإضافة إلى مزامنة الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال فترة واحدة وبمواعيد متفق عليها بين الكل الوطني.
وقد جرت خلال اليومين الماضيين لقاءات لهيئات قيادية تتدارس مسار العملية الانتخابية في ظل محدودية الخيارات لدى الفلسطينيين أمام التحولات والتغيرات الجيوسياسية في المنطقة. وباعتقادي، قد تذهب الترجيحات نحو تأجيل الانتخابات إلى موعد آخر، استجابةً للرغبة والمشورة الأخوية حول أهمية توحيد الصف الفلسطيني، والحاجة إلى حوار وطني ومجتمعي يتحمل فيه الجميع المسؤولية أمام مجمل التحديات الوجودية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ويبقى السؤال: إلى متى تبقى الانتخابات والديمقراطية الفلسطينية مع وقف التنفيذ؟ وما هي الخيارات المتاحة للفلسطينيين في المستقبل القريب في ظل محدودية البدائل ومخاطر التأجيل على مستقبل القضية، سيما أن إجراؤها في ظل هذه الظروف المعقدة قد يجعل من خياراتها كالمستجير من الرمضاء بالنار.