المشاركة السياسية ليست حكراً على أحد
في مرحلة التحرر الوطني، لا يمكن التعامل مع الفصائل الفلسطينية باعتبارها مجرد أحزاب تتنافس على السلطة، فهي جزء أصيل من تاريخ الحركة الوطنية، وقدمت الشهداء والأسرى والتضحيات، وأسهمت، باختلاف رؤاها وبرامجها، في الحفاظ على الهوية الوطنية وحضور القضية الفلسطينية طوال عقود من النضال.
لكن احترام هذا التاريخ لا يعني تحويله إلى حق حصري ودائم في تمثيل المجتمع، أو حصر المشاركة السياسية في القوائم التي تقررها الهيئات القيادية للفصائل والقوى، فالشعب الذي صنع تجربته الوطنية واحتضن فصائله ومقاومته وانتفاضاته الشعبية ومنها انتفاضة الحجارة تحديداً، هو في النهاية، مصدر الشرعية والسلطات وصاحب الحق في اختيار ممثليه والمشاركة في صناعة القرار وتحديد اتجاه المستقبل.
ومن هنا، ينبغي النظر إلى الانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية القادمة باعتبارها فرصة لإعادة فتح المجال السياسي أمام المجتمع بكل مكوناته، وليس مجرد منافسة بين القوائم الرسمية للفصائل أو إعادة إنتاج للخريطة السياسية نفسها.
فمن حق الفصائل أن تخوض الانتخابات، وأن تشكل قوائمها وفق برامجها وآلياتها، وأن تطلب ثقة المواطنين استناداً إلى تاريخها ورؤيتها، لكن ذلك لا يتعارض مع حق المواطنين والقوى الشعبية والشبابية والمهنية والشخصيات الوطنية، وكذلك المنتمين إلى مدارس فكرية وفصائل سياسية مختلفة، في تشكيل قوائم انتخابية وائتلافات تقوم على رؤى وبرامج وقواسم وطنية واجتماعية مشتركة.
فالانتماء إلى فصيل سياسي لا يلغي صفة المواطنة، ولا ينتقص من حق المواطن في التفكير والاجتهاد والاختيار والمشاركة، كما أن الاختلاف في الرأي أو الخيار الانتخابي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره خروجاً أو انشقاقاً او تجنحاً، ما دام يجري في إطار ديمقراطي وتحت سقف المشروع الوطني التحرري ومنظمة التحرير كيفما يتوجب إصلاحها الوطني لكي تحافظ على مكانتها ومؤسساتها وبنائها كممثل شرعي وحيد.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إضعاف الفصائل أو صناعة بدائل مصطنعة عنها وعن منظمة التحرير . فالفصيل القوي هو القادر على استيعاب التعدد والاجتهاد، وتجديد نفسه والاستماع إلى قواعده وجمهوره، وإدراك أن الوحدة لا تعني التطابق في الرأي، وأن الاختلاف الديمقراطي يمكن أن يكون مصدراً للتجدد والتطور وليس مبرراً للإقصاء والاستبعاد.
لقد عانى نظامنا السياسي طويلاً من تضييق دوائر صناعة القرار ومن الهيمنة والاحتكار وتغول السلطات وأشكال الفساد والاستبعاد والإقصاء، ومن تحول المحاصصة والتوافقات القيادية أحياناً إلى بديل عن المشاركة الشعبية والمؤسسية، حتى مراكز نفوذ ناشئة اصبحت بديلا دور بعض الفصائل، ما أسهم في اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات وتراجع حضور مناضلين زمن الانتماء والعطاء الطوعي والشباب والمرأة والمثقفين والنقابيين والمهنيين والحراكات الشعبية في التأثير الفعلي في الحياة السياسية، لذلك لا يجب ان يبقى سؤالنا حول إمكانية اجراء الانتخابات ؟ بل أي حياة سياسية نريد أن تنتجها هذه الانتخابات؟
فالديمقراطية لا تختصر بصندوق الاقتراع، وإنما تعني أيضاً حق المواطنين في الحريات والتنظيم والتنوع والتعددية وفق وثيقة اعلان الاستقلال، والى المبادرة وتشكيل القوائم وطرح البرامج وبناء التحالفات والتنافس، ثم الاحتكام إلى إرادة الناخب، ومن هنا يمكن للقوائم الوطنية المستقلة والشعبية والائتلافية أن تكون إحدى أدوات توسيع المشاركة والتعددية، فتجمع شخصيات وقوى من مدارس سياسية وفكرية وتنظيمية واجتماعية مختلفة حول برنامج مشترك سياسي، اقتصادي واجتماعي لمحاولة تطوير نظامنا السياسي وتقديم الحلول الممكنة لمعيشة المواطنين ولتمكينهم من الصمود ومواجهة إرهاب الاستيطان، من دون مطالبة أحد بالتخلي عن تاريخه أو قناعاته وانتمائه التنظيمي.
إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة احتكار التمثيل إلى ثقافة الشراكة في التمثيل، ومن اعتبار الاختلاف تهديداً إلى التعامل معه بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة السياسية وتوسيع المشاركة بها، فالتاريخ الوطني لا يمنح أحداً تفويضاً دائماً، كما أن التجديد لا يعني إنكار التاريخ أو تضحيات من صنعوه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة لان التاريخ لا يقف عن نقطة محددة، ولأننا لا نناقش الديمقراطية في دولة مستقلة ومكتملة السيادة، وإنما في مرحلة تحرر وطني، وفي لحظة يتصاعد فيها المشروع الاستعماري الإسرائيلي، من حرب الإبادة والتدمير والتهجير في غزة وإحلال مجلس ترامب ولجنته الادارية بما لهم من حق في الغاء القوانين والتشريعات واستبدالها بما في ذلك مسألة الانتخابات بدلاً من المشروع الوطني الذي يعتمد وحدة الجغرافيا السياسية الفلسطينية، إلى الاستيطان والضم المتدرج في الضفة والقدس لتنفيذ المعازل، والسيطرة على الأرض والموارد، ومحاولات تفكيك وحدة الشعب والجغرافيا والقضية الوطنية وتحويل مشروعنا الى أدارة سكانية تحت الاحتلال.
وفي المقابل، يواجه مشروعنا الوطني حالة من التراجع والتفكك وفقدان القدرة على المبادرة، في ظل الاملاءات والانقسام وتآكل دور المؤسسات وتراجع المشاركة الشعبية، والأهم عدم القدرة حتى الآن على إجراء مراجعة نقدية جدية للمسار الذي أوصلنا إلى هذه الحالة منذ حوالي ثلاث عقود واكثر، ولا يمكن مواجهة هذا الواقع بإعادة إنتاج الأدوات والعقليات ذاتها، أو بثقافة تعتبر النقد خروجاً، والاختلاف تهديداً، والمشاركة انتقاصاً من مواقع قائمة.
ولهذا فإن توسيع المشاركة السياسية ليس مسألة شكلية ولا معركة على المقاعد والمواقع، بل جزء من عملية استنهاض وطني تعيد المجتمع إلى قلب الفعل السياسي ، وتفتح المجال أمام طاقات وقوى ومبادرات جديدة من دون إقصاء الفصائل أو إنكار تاريخها ودورها الوطني عبر مسيرة طويلة من الكفاح.
فلسطين أكبر من الجميع، أكبر من أي فصيل أو اسماء أو قيادة أو مؤسسة أو قائمة انتخابية، والمطلوب ليس استبدال احتكار باحتكار آخر، بل إعادة بناء الشراكة الوطنية على قاعدة أن الشعب هو مصدر الشرعية والسلطات وصاحب القرار.
وفي مواجهة محاولات تفكيك المشروع الوطني وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بعيداً عن جوهرها كقضية شعب يناضل من أجل التحرر والدولة والسيادة، تصبح الديمقراطية والتعددية وأوسع مشاركة شعبية ممكنة جزءاً من أدوات الصمود واستعادة المبادرة وصولا الى تقرير المصير، فاستعادة المشروع الوطني التحرري تتطلب أن تتسع السياسة للجميع، وأن يعود الشعب شريكاً فعلياً في صناعة القرار والمستقبل، ليقترب اكثر من فهم قضايا معيشته وايجاد الحلول له، ومن الحرية والاستقلال الوطني في مواجهة الإحلال واستهداف وجوده وهويته.