كردفان تدق ناقوس الخطر: الكوليرا والحصبة يحاصران مئات الآلاف غربي السودان
الخرطوم- أرض الإخبارية - خاص
كتب/مصعب محمد
تواجه مناطق واسعة في إقليم كردفان، غربي السودان، أوضاعاً إنسانية وصحية بالغة التعقيد، وسط تحذيرات طبية متصاعدة من «كارثة وشيكة» جراء التفشي المتسارع لوباء الكوليرا ومرض الحصبة، بالتزامن مع نقص حاد في الإمدادات الغذائية والطبية، وتشديد الحصار على المنافذ الحيوية للمنطقة.
ففي أحدث مؤشر على تفاقم الوضع، أطلقت «غرفة طوارئ دار حمر» تنبيهاً صحياً عاجلاً كشفت فيه عن تفشي وباء الكوليرا بشكل واسع في محليتي «ود بندة» و«النهود» والقرى المجاورة لهما في ولاية غرب كردفان. ووفقاً للإحصائيات الصادرة عن الغرفة، فقد سُجلت 30 حالة وفاة و800 حالة إصابة بالوباء، موزعة على أكثر من 25 قرية، وسط تحذيرات شديدة من نفاد كبير في أدوية الأمراض المزمنة، لا سيما أدوية السكري، في المحليات الشمالية للولاية.
وفي السياق ذاته، تلقت المنطقة تحذيرات دولية؛ إذ أفادت تقارير حديثة عن ورود ما يقرب من 300 حالة مشتبه بها وثلاث وفيات في ولاية شمال كردفان المجاورة، مما يشير إلى رقعة انتشار واسعة للوباء.
أرقام صادمة وتوقف المشافي
وينسحب المشهد المأساوي ذاته على ولاية شمال كردفان؛ إذ أعربت «شبكة أطباء السودان» في بيان لها، عن بالغ قلقها إزاء التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية والصحية في مناطق غربي بارا. وأشارت إلى أن أكثر من 200 ألف مواطن، بينهم نحو 20 ألف طفل، يواجهون ظروفاً إنسانية بالغة القسوة نتيجة النقص الحاد في الغذاء والدواء، وتفشي وبائي الحصبة والكوليرا.
وتتوزع الكثافة السكانية المتضررة بشكل مباشر في شمال كردفان على عدة وحدات إدارية، أبرزها «طيبة الزعتري» و«أم كريدم» بواقع 50 ألف نسمة لكل منهما، و«المزوروب» (40 ألفاً)، و«أم سعدون» (30 ألفاً)، و«دميرة» (25 ألفاً)، و«الحاج اللين» (20 ألفاً).
شهادات من عمق الأزمة
وفي اتصال مع «أرض الإخبارية »، رسم مصدر طبي من داخل المنطقة صورة قاتمة للوضع الميداني، مؤكداً أن الكوادر الطبية باتت «لا تملك أدنى مقومات الرعاية أو العلاج»، واصفاً معاناة المدنيين بأنها تجمع بين «المجاعة، والأمراض، والعطش، والتعذيب».
وحمّل المصدر الطبي« قوات الدعم السريع» المسؤولية المباشرة عن تدهور الوضع نتيجة سيطرتها على تلك المناطق، مؤكداً أن محاولات المنظمات الدولية لإدخال مساعدات طبية باءت بالفشل جراء استهداف تلك القوات للقوافل الإغاثية. وأوضح أن «الحل الوحيد المتاح حالياً يعتمد على مساهمات شحيحة تصل للمدير الطبي، الذي يستعين ببعض المواطنين للمخاطرة وتهريب كميات بسيطة من الأدوية والأغذية عبر طرق وعرة».
منظمة الصحة العالمية: عوائق الصراع ونقص التمويل
من جانبه، يكتسب المشهد بعداً أكثر قتامة مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية، التي أكدت أن الكوليرا تُعد مرضاً متوطناً في البلاد، إلا أنها تواجه الآن تفشيات شبه مستمرة «بسبب الصراع، والقيود المفروضة على وصول فرق الاستجابة، ومحدودية الإمكانات».
وتتزامن هذه الأوضاع مع مخاوف من تزايد هطول الأمطار في السودان بشكل كبير في الأسابيع المقبلة؛ حيث يُتوقع أن ترتفع حالات الإصابة بالكوليرا بصورة حادة نتيجة إعاقة الأمطار لوصول الملايين إلى المياه النظيفة. وفي الوقت الذي تتسع فيه رقعة الوباء، كشفت منظمة الصحة العالمية أن عملياتها الإنسانية تعاني من تعثر شديد بسبب نقص التمويل، إذ لم تتلقَّ المنظمة سوى ثلث الأموال التي تحتاجها لهذا العام.
حصار إنساني مستمر
وحذرت الهيئات والشبكات الطبية و «غرفة طوارئ دار حمر» في إقليم كردفان من أن استمرار انقطاع الإمدادات، ومنع القوات المسيطرة على الأرض لدخول المساعدات الإنسانية، ينذر بارتفاع قياسي في معدلات الوفيات، لا سيما بين الأطفال والفئات الأكثر هشاشة من أصحاب الأمراض المزمنة.
وناشدت هذه الجهات بشكل جماعي الأمم المتحدة، والمنظمات الإغاثية الدولية، والجهات الصحية المختصة، التدخل العاجل والفوري لإيصال الأدوية، والمحاليل الوريدية، واللقاحات، والمستلزمات الطبية، إلى جانب توفير الغذاء والمياه الآمنة الصالحة للشرب، لضمان احتواء الوباء وإنقاذ حياة آلاف المدنيين العالقين في الإقليم.