في غزة... ظالمٌ يدعو على ظالم
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾. ليست المحن مجرد أحداث تمر على الإنسان ثم تنتهي، وإنما هي مواقف تكشف حقيقة النفوس، وتختبر معدن الإنسان، وتضع الأخلاق أمام امتحانها الأصعب. وفي أوقات الرخاء قد تختفي العيوب خلف وفرة الحياة، أما في الشدة فتظهر حقيقة النفوس؛ يظهر الكريم والبخيل، ومن يرى في مصيبة الناس مسؤوليةً، ومن يراها فرصةً لمكسب شخصي. وغزة التي ذاقت من الدمار والنزوح ما يفوق قدرة الكلمات على الوصف، قدمت أروع صور الصبر والتكافل والإيثار، وظهرت فيها نماذج مشرقة من الذين تقاسموا لقمة العيش والماء والمأوى، وفتحوا بيوتهم وقلوبهم للنازحين. لكن المحنة كشفت أيضاً عن وجوه أخرى لا يجوز أن نصمت عنها؛ فبعض الناس لم يروا في حاجة الناس إلا سوقاً مفتوحة، ولم يروا في جوع الأطفال مسؤوليةً أخلاقية.
ومن بين أكثر هذه الظواهر إيلاماً أن تتحول حاجة الإنسان إلى سلعة، وأن يصبح نزوحه وألمه وخوفه فرصة لبعض المتنفذين لتحقيق أرباح لا تتناسب مع حجم المأساة التي يعيشها الناس. فمن الناس من وجدوا في ندرة السلع فرصة لرفع الأسعار، والاحتكار وتحقيق أرباح استثنائية، على حساب أناس فقدوا بيوتهم ومصادر دخلهم وأمانهم. ولا يتعلق الحديث بالتاجر الشريف الذي يوفر السلع بربح مشروع، وإنما بمن يتخذ حاجة الإنسان وسيلةً لاستنزاف ما تبقى في جيبه. وليس التاجر وحده في موضع الاختبار؛ فكل من امتلك سلعة، أو مالاً، أو نفوذاً، أو قراراً، أو قدرةً على مساعدة الناس، كان أمام امتحان أخلاقي حقيقي. فالابتلاء لا يكون دائماً في الفقر والخسارة، وإنما قد يكون في الرزق والقدرة والفرصة، وفي الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ما أُتيح له من أبواب.
هذه الصورة لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. فالإنسان قد يُذكَّر بالرحمة فينسى، ويُذكَّر بالعدل فينسى، ويرى الموت والدمار والفقر بعينيه ثم لا يتغير فيه شيء. وقد يرى الإنسان أبواب الرزق تُفتح أمامه فيظن أن وفرة المال دليل على الصواب وعلى الرضا. كما أن الشدة ليست في ذاتها دليلاً على السخط، فالقيمة الحقيقية والعبرة فيما يفعل بهذا المال وكيف حصل عليه، وبما يتعلمه مما ابتُلي به. فالمال الناتج عن استغلال حاجة الفقير لا يصبح طيباً لمجرد جمعه، والربح المبني على وجع الناس لا يصبح شرفاً لأنه جاء في زمن الحرب. وليس المقصود أن كل ما يُفتح للإنسان من أبواب الرزق شر أو عقوبة، فالنعم في أصلها فضل من الله، وإنما العبرة في موقف الإنسان منها؛ فقد يكون الرزق نعمةً حين يُشكر الله عليها وتؤدى حقوقها، وقد تتحول إلى فتنة حين تنسي صاحبها حق الله وحق الناس.
والأشد إيلاماً أن تترافق هذه الممارسات مع كثرة الحديث عن الدعاء، وكثرة التضرع إلى الله لرفع البلاء، كم من مظلوم رفع يديه إلى السماء، وكم من أم دعت، وكم من أب دعا، وكم إنسان في خيمة أو بين أنقاض بيته دعا الله أن يفرج عنه، ويرفع عنه البلاء، وينصره على من ظلمه. والدعاء عبادة عظيمة، وباب من أبواب الرجاء لا ينبغي إغلاقه في وجه أحد. لكن استجابة الدعاء لها حكمتها وتقديرها، وليست بالضرورة على الصورة التي يتوقعها الإنسان أو في الوقت الذي يحدده. ولذلك تأخر ظهور أثر الدعاء لا يعني بالضرورة غياب الاستجابة، كما أن تحقق بعض المطالب لا يعني بالضرورة أن صاحبها على الحق. فالله أعلم بما يصلح لعباده، والاستجابة ليست معياراً نحاكم به صلاح الإنسان أو فساده، وإنما هي من أمر الله وتقديره. وقد يكون الخير في تأخر ما نطلبه، أو في صرف أذى لا نراه، أو في أجر يذخره الله لعبده.
من المهم أن نفهم أن الدعاء لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية. فمن يطلب رفع الظلم، عليه أن يرفع الظلم عمن يستطيع. ومن يطلب الرحمة، عليه أن يكون رحيماً بعباد الله. ومن يطلب الفرج، عليه ألا يجعل حياة الآخرين أكثر ضيقاً. وهنا تبرز صورة مؤلمة تختصر جانباً من اختلال المعايير: "ظالم يدعو على ظالم"، وقد يبلغ التناقض ذروته حين يتحول الإنسان إلى خصم للظلم عندما يقع عليه، ومدافعٍ عنه عندما يحقق له منفعة. فيدعو المظلوم على ظالمه، ثم يمارس الظلم على من هو أضعف منه، ويدعو من اكتوى بالاحتكار على المحتكر، ثم يحتكر عندما تتاح له الفرصة، ويستنكر أكل أموال الناس بالباطل بينما لا يتردد في ممارسة الصورة نفسها على غيره. وهنا يصبح الخلل في أن يرى الإنسان ظلم الآخرين بوضوح، بينما يعجز عن رؤية ظلمه هو. كل واحد يرى نفسه صاحب حق، وكل واحد يرى ظلمه أقل من ظلم الآخر، وكل واحد يرفع يديه طالباً عدل الله. هكذا يتحول الإنسان من رؤية عيوبه إلى محاكمة الآخرين، ومن مراجعة نفسه إلى انتظار العقوبة لغيره.
لقد دفعت غزة ثمناً باهظاً، وسقط من أبنائها الآلاف، وتهدمت البيوت، وتشردت الأسر، وضاعت مصادر الرزق، وعاش الناس ظروفاً لا يحتملها بشر. وكل ذلك ينبغي أن يجعلنا أكثر رحمة، لا أكثر قسوة؛ أكثر تكافلاً، لا أكثر أنانية؛ أكثر عدلاً، لا أكثر استغلالاً. فالخطر لا يكمن فقط في أن تنتهي الحرب ويعود الناس إلى حياتهم، وإنما في أن تعود معها السلوكيات نفسها التي كشفتها المحنة، وكأن الدماء لم تكن درساً، وكأن الجوع لم يكن موعظة. إن قوله تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يحمل معنى يتجاوز زمن الآية ومكانها؛ فالنسيان هنا ليس مجرد نسيان للكلمات، وإنما نسيان لما تقتضيه الموعظة من تغيير في السلوك. وما أكثر ما ذكرتنا به غزة. ذكرتنا بأن الإنسان ضعيف مهما امتلك، وأن البيت قد يتحول في لحظة إلى ركام، وأن المال لا يحمي صاحبه، وأن القوة ليست ضماناً دائماً، وأن الحياة التي تبدو مستقرة قد تتغير في لحظة. وذكرتنا بأن أعظم ما يحتاجه المجتمع في أوقات الشدة ليس المال وإنما الضمير. ضمير التاجر، وضمير الموظف، وضمير المسؤول، وضمير السياسي، وضمير المواطن.
فالمرحلة ليست مرحلة جمع الأرباح من جراح الناس، وتسجيل المواقف، والبحث عن مكاسب شخصية؛ إنها مرحلة تستوجب أن يعيد كل إنسان ترتيب علاقته بالله وبالناس وبالوطن. وإذا كانت أبواب الرزق قد تُفتح للإنسان، فإن ذلك لا يعفيه من السؤال عن كيفية دخوله منها، وإذا كانت الدنيا قد أعطته، فإن العطاء ليس شهادة براءة، وإنما امتحان آخر. فالعبرة ليست في كثرة ما نملك، وإنما في كيفية استخدام ما نملك، وليست في كثرة الدعاء وحدها، وإنما في صدق ما يرافق الدعاء من عمل، وليست في مطالبة الآخرين بالعدل، وإنما في قدرتنا على أن نكون عادلين عندما تكون لنا مصلحة في الظلم. غزة لا تحتاج الدعاء برفع البلاء؛ يل أناس يرفعون عن بعضهم بعضاً ما يستطيعون من البلاء. فمن أراد أن يكون دعاؤه صادقاً، فليكن في صف الناس لا فوق حاجتهم. ومن فتح الله عليه باباً من الرزق، فليجعل فيه نصيباً للرحمة. ومن نجا من المحنة، فلا ينسَ الذين ما زالوا تحت أنقاضها.
ولعل أعظم ما ينبغي أن نخرج به من هذه المحنة ألا نكون ممن "نسوا ما ذُكِّروا به". وإنما أن نتذكر ما كشفتْه الحرب في داخلنا، وأن نحول الألم إلى أخلاق، والخسارة إلى عِبرة، والدعاء إلى عمل، والرزق إلى أمانة، والقدرة إلى رحمة. أما أن يظلم الإنسان ثم يرفع يديه طالباً رفع الظلم عنه، فذلك هو التناقض الذي ينبغي أن يخشاه كل واحد منا. فالسماء لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر ما تحتاج الأرض إلى مزيد من العدل. فالدعاء يرفع القلب إلى السماء، لكن صدقه يظهر في سلوك الإنسان على الأرض؛ ومن أراد رفع الظلم عنه، فليحرص ألا يكون ظالماً لغيره. وحديثي اليوم ليس للحكم على أشخاص بعينهم بأنهم ظالمون أو أن دعاءهم غير مستجاب؛ فذلك أمر لا يعلمه إلا الله. وإنما المقصود تذكير نفسي وإياكم أن الدعاء الحقيقي ينبغي أن يصاحبه قدر من الصدق مع النفس، وأن تكون للمحنة آثارها في سلوكنا وأخلاقنا.