فلسطين لم ولن تُطرد من أمريكا: من إغلاق المكتب إلى إعادة تشكيل الوعي
في عام 2018، أقدمت الإدارة الأمريكية بقيادة Donald Trump على إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وألغت تأشيرة السفير الفلسطيني حسام زملط وعائلته، مطالبةً إياهم بمغادرة الأراضي الأمريكية فورًا. جاء هذا القرار في سياق سياسي واضح، ردًا على رفض القيادة الفلسطينية لما عُرف بـ صفقة القرن.
بدا المشهد حينها وكأنه محاولة لإقصاء فلسطين سياسيًا من الولايات المتحدة، وحصر حضورها في حدود القرار الرسمي. غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن مفارقة لافتة: فبينما أُغلق المكتب الدبلوماسي، انفتح الفضاء الأمريكي أمام حضور فلسطيني أوسع وأكثر تأثيرًا، ليس عبر القنوات الرسمية، بل من خلال المجتمع ذاته.
من القطيعة السياسية إلى إعادة التموضع
لم تعد العلاقة الفلسطينية–الأمريكية ثابتة كما في السابق، بل دخلت مرحلة إعادة تشكيل. فمع وصول Joe Biden إلى البيت الأبيض، شهدت العلاقة بعض التعديلات، مثل استئناف المساعدات للفلسطينيين وإعادة قنوات تواصل محدودة، دون التراجع الكامل عن قرارات المرحلة السابقة.
هذا التذبذب يعكس حقيقة أعمق: أن القرار السياسي الأمريكي لم يعد بمعزل عن التحولات الداخلية، بل أصبح أكثر تأثرًا بالضغوط الشعبية والرأي العام، ما يفتح المجال أمام فاعلين جدد للتأثير في مسار العلاقة.
من الطرد السياسي إلى الحضور الشعبي
ما حاولت السياسة تقييده داخل الأطر الدبلوماسية، أطلقه المجتمع خارجها. فقد شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد حرب غزة، واحدة من أوسع موجات التضامن مع الفلسطينيين في تاريخها الحديث.
تحولت الجامعات الأمريكية إلى ساحات مفتوحة للنقاش والحراك، حيث نُصبت الخيام وارتفعت اللافتات، وأصبح العلم الفلسطيني حاضرًا بقوة، ليس فقط كرمز وطني، بل كرمز عالمي للنضال من أجل الحرية.
وتعكس بيانات Pew Research Center هذا التحول، حيث أظهرت استطلاعات الرأي بين 2023 و2024 تراجعًا ملحوظًا في الدعم غير المشروط لإسرائيل، مقابل ارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين، خصوصًا بين فئة الشباب والديمقراطيين.
لم يعد الوعي الأمريكي أحادي الرواية، بل أصبح أكثر انفتاحًا على سرديات متعددة، ما يعيد تشكيل موقع القضية الفلسطينية داخل النقاش العام.
التحول الرقمي: من احتكار الرواية إلى تعدد المنابر
في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد المكاتب الرسمية هي المحدد الوحيد للصوت السياسي. خلال الحرب على غزة، اجتاحت المنصات الرقمية موجة غير مسبوقة من المحتوى الفلسطيني، شملت شهادات ميدانية، وحملات تضامن، ووسومًا عالمية تصدّرت المشهد.
تحولت منصات مثل إنستغرام وتيك توك و"إكس" إلى ساحات دبلوماسية بديلة، تقودها أجيال شابة فلسطينية وعربية وأمريكية. هذا التحول لم يكتفِ بنقل الرواية، بل ساهم في فرضها على الإعلام التقليدي، الذي وجد نفسه مضطرًا لإعادة النظر في أساليب تغطيته.
لم تعد فلسطين بحاجة إلى تمثيل رسمي فقط، بل أصبحت حاضرة عبر ملايين المنابر الرقمية، حيث تحول كل هاتف إلى منصة إعلامية، وكل محتوى إلى أداة تأثير.
القوة الناعمة: حين تُعيد الثقافة تعريف السياسة
إلى جانب الإعلام، برزت القوة الناعمة كأحد أهم أدوات الحضور الفلسطيني داخل المجتمع الأمريكي. ويُعد الكوميديان الفلسطيني الأمريكي Mo Amer نموذجًا بارزًا لهذا التحول.
من خلال أعماله، قدّم الرواية الفلسطينية بأسلوب إنساني بعيد عن الخطاب السياسي المباشر، مستفيدًا من الكوميديا كوسيلة للتأثير العاطفي والمعرفي. وفي مقابلة مع CBS News، أشار إلى أن هدفه ليس فقط إضحاك الجمهور، بل دفعه للتفكير وإعادة النظر في الصور النمطية.
بهذا المعنى، تتحول الكوميديا إلى أداة من أدوات "الدبلوماسية الشعبية"، التي تبني جسور الفهم، وتُدخل القضية الفلسطينية إلى الوعي الثقافي اليومي.
دبلوماسية رد الفعل في مواجهة الحاجة للاستمرارية
رغم هذا التحول، يبقى التحدي الأبرز هو الاستمرارية. إذ عانت الحالة الفلسطينية طويلًا من نمط "دبلوماسية رد الفعل"، التي تتحرك مع الأزمات وتخفت بانحسارها.
اليوم، ومع توفر أدوات التأثير الرقمي والثقافي، تبرز الحاجة إلى دبلوماسية مستدامة، تقوم على بناء سردية طويلة الأمد، لا تنتظر الأحداث لتظهر، بل تفرض حضورها يوميًا في الوعي العالمي.
المفارقة: من المكاتب المغلقة إلى الفضاء المفتوح
تكشف التجربة مفارقة واضحة: إغلاق مكتب رسمي لم يؤدِ إلى إقصاء القضية، بل ساهم في تحريرها من القيود الدبلوماسية التقليدية، ودفعها نحو فضاءات أوسع وأكثر تأثيرًا.
بل يمكن القول إن الحضور الفلسطيني اليوم داخل المجتمع الأمريكي أصبح أكثر عمقًا وانتشارًا مما كان عليه في ظل التمثيل الرسمي وحده.
فلسطين لا تُطرد
في النهاية، لا يمكن للوعي الجمعي أن يُغلق بقرار سياسي، ولا للذاكرة أن تُمحى بمرسوم دبلوماسي. في عصر تتعدد فيه المنابر، لم يعد بالإمكان احتكار الرواية أو تقييدها.
فلسطين التي غادرت رسميًا، عادت عبر المجتمع، عبر الجامعات، عبر الإعلام، عبر الفن، وعبر جيل جديد يرى فيها تجسيدًا لقيم الحرية والعدالة.
لهذا، يمكن القول بثقة:
فلسطين لا تُطرد من أمريكا… بل تعيد تشكيل حضورها داخلها.