بن غفير يريد أكثر من نزع السلاح: هل يجري الدفع نحو تفريغ السلطة من وظيفتها الأمنية؟
تصريحات إيتمار بن غفير بشأن ضرورة تجريد السلطة الفلسطينية من أسلحتها تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب حدّة اللغة، وإنما لأن المسألة تتجاوز السلاح نفسه إلى وظيفة السلطة الفلسطينية ومستقبل وجود أجهزتها الأمنية في الضفة الغربية.
حين يقول بن غفير إن السلطة (تحضّر لـ7 أكتوبر جديد) وإنه (ممنوع أن يكونوا مسلحين)، فهو يضع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في خانة التهديد، لا في خانة الجهة التي يمكن أن تكون شريكاً أمنياً أو طرفاً في ضبط الوضع الداخلي.
وهنا تكمن أهمية الطرح.
أولاً: ماذا يريد بن غفير؟
يمكن فهم الموقف ضمن رؤية أوسع لدى اليمين الإسرائيلي تجاه السلطة الفلسطينية: تقليص قدرتها على العمل ككيان أمني وسياسي مستقل، ومنع تراكم أي قدرة يمكن أن تتحول، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى تهديد مسلح.
لكن تجريد السلطة من السلاح لا يعني فقط مصادرة بنادق وأسلحة الأجهزة الأمنية. إذا طُبّق بصورة واسعة، فإنه يعني عمليًا إضعاف إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها السلطة: احتكارها النسبي للقوة داخل المناطق الخاضعة لإدارتها الأمنية.
وهنا يصبح السؤال: ماذا يبقى من السلطة إذا جُرّدت أجهزتها من القدرة على فرض القانون وحماية مؤسساتها؟
ثانياً: المفارقة الأمنية
المفارقة أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية أدّت خلال سنوات دوراً في حفظ النظام داخل مدن وبلدات الضفة، وفي منع صدامات وفوضى داخلية، كما ارتبط وجودها بتنسيق أمني مع إسرائيل.
لذلك فإن نزع سلاحها بالكامل يخلق معادلة معقدة:
إسرائيل تريد من السلطة أن تمنع الفوضى، لكنها إذا نزعت منها أدوات القوة فقد تجعل قدرتها على القيام بهذه المهمة أضعف.
وهذا لا يعني أن كل أشكال التنسيق الأمني ستختفي تلقائياً، لكنه يفتح الباب أمام أزمة عميقة في نموذج السلطة نفسه.
ثالثاً: التداعيات على الضفة
إذا انتقل الطرح من التصريح السياسي إلى إجراءات فعلية، فقد تظهر عدة نتائج محتملة:
* إضعاف قدرة الأجهزة الفلسطينية على فرض النظام داخل مناطقها.
* زيادة الفراغ الأمني في بعض المناطق.
* ارتفاع احتمال توسع نفوذ الجماعات المسلحة والمحلية في المناطق التي تتراجع فيها قدرة الأجهزة الرسمية.
* زيادة اعتماد الأمن في الضفة على التدخل الإسرائيلي المباشر.
* تعميق أزمة الثقة بين السكان والسلطة إذا أصبحت الأجهزة موجودة إدارياً لكنها محدودة القدرة ميدانياً.
* احتمال اتساع الاحتكاك بين إسرائيل والسلطة بدل أن يؤدي نزع السلاح إلى الاستقرار.
وهنا تظهر مفارقة أكبر: إضعاف السلطة قد لا يؤدي بالضرورة إلى ضفة أكثر هدوءًا؛ فقد يؤدي، في ظروف معينة، إلى ضفة أقل قابلية للضبط.
رابعاً: ماذا يحدث للأجهزة الأمنية نفسها؟
هذه ربما النقطة الأكثر حساسية.
الأجهزة الأمنية ليست مجرد مخازن سلاح. هناك آلاف الموظفين والضباط، وسلسلة قيادة ومؤسسات ورواتب ومهام أمنية وإدارية.
إذا فُرض نزع سلاح واسع دون بديل، فسيظهر سؤال مصيري:
هل المطلوب إعادة تعريف وظيفة هذه الأجهزة، أم تفكيكها تدريجيًا؟
إعادة تعريف الوظيفة قد تعني تحويلها إلى أجهزة شرطة مدنية محدودة التسليح، بينما التفكيك سيعني عملياً ضرب إحدى أهم مؤسسات السلطة.
والفرق بين السيناريوهين كبير جداً.
خامساً: الخطر السياسي على السلطة
الأخطر من خسارة السلاح هو خسارة الهيبة والقدرة على تمثيل نفسها كسلطة قائمة.
فالسلطة تقوم، ولو بصورة غير مكتملة، على ثلاثة عناصر: مؤسسات، إدارة، وأجهزة قادرة على تنفيذ القانون.
إذا جرى تقليص العنصر الثالث بصورة حادة، فقد تتحول السلطة تدريجياً إلى جهاز إداري يدير المدارس والبلديات والصحة والرواتب، بينما تصبح القضايا الأمنية والسيادية خارج قدرتها الفعلية.
وعندها يصبح السؤال أكبر من (هل تملك السلطة سلاحاً؟)؟
هل ما زالت السلطة سلطة؟
سادساً: ولماذا قد يكون هذا الطرح مهماً لبن غفير واليمين الإسرائيلي؟
لأن هناك تصوراً داخل قطاعات من اليمين الإسرائيلي يرى أن المشكلة ليست فقط في سلوك السلطة، وإنما في وجودها كإطار سياسي يمكن أن يتطور مستقبلاً إلى كيان فلسطيني أكثر استقلالاً.
لذلك يمكن أن يخدم الضغط على الأجهزة الأمنية هدفين متوازيين:
1. تقليص أي قدرة فلسطينية يمكن أن تتحول إلى قوة مسلحة مستقلة.
2. إضعاف أحد مقومات بناء مؤسسات فلسطينية قادرة على ممارسة سيطرة فعلية على الأرض.
لكن من المهم عدم تحويل ذلك إلى حقيقة محسومة بشأن نية بن غفير النهائية؛ التصريح يثبت دعوته إلى نزع السلاح، أما تحويل هذه الدعوة إلى مشروع كامل لإسقاط السلطة أو تفكيكها فيحتاج إلى أدلة سياسية وإجراءات فعلية، وليس إلى التصريح وحده.
الخلاصة
تصريح بن غفير يحمل في داخله معادلة شديدة الخطورة:
يريد سلطة فلسطينية تمنع التهديد، لكنه يدفع في الوقت نفسه نحو تقليص أدوات القوة التي تمكنها من فرض الأمن.
وإذا تحولت الدعوة إلى سياسة عملية، فلن تكون القضية مجرد مصادرة أسلحة؛ بل قد تصبح معركة على وظيفة السلطة نفسها: هل تبقى جهازاً أمنياً ومدنياً محدود الصلاحيات، أم تتحول إلى إدارة مدنية بلا قدرة حقيقية على السيطرة الأمنية؟
وفي الحالة الثانية، قد لا يكون السؤال: ماذا سيحدث للسلطة؟
بل: من سيملأ الفراغ الذي يتركه إضعافها؟
وهنا تحديداً تصبح المسألة الفلسطينية ــ الإسرائيلية أكثر تعقيداً، لأن الفراغ الأمني في الضفة لن يبقى فراغاً بالضرورة؛ قد تملؤه قوى محلية، مجموعات مسلحة، أو مزيد من التدخل الإسرائيلي المباشر. وكل واحد من هذه الاحتمالات يحمل تداعيات مختلفة على مستقبل الضفة والسلطة والأمن.