العهد الذي يولد من معاناة... يستحق أن يصنع الأمل
في زمنٍ تتزاحم فيه المبادرات، وتكثر فيه الشعارات، قد يتساءل البعض: لماذا وثيقة جديدة؟ ولماذا هيئة وطنية جديدة؟ وهل نحن بحاجة إلى إطار آخر يضاف إلى المشهد الفلسطيني؟
هذه أسئلة مشروعة، بل هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح أولاً. ومن هنا أكتب هذه السطور بوصفي أحد المؤيدين المتبنين "لوثيقة العهد الوطني الفلسطيني للصمود والوحدة"، لا لأنني أعتقد أنها وثيقة كاملة لا تقبل النقاش، بل لأنني أؤمن بأن من حق كل مبادرة وطنية أن تُقرأ بعين منصفة، وأن تُناقش أفكارها قبل إصدار الأحكام على أصحابها. لذلك أرجو من أبناء شعبنا الفلسطيني، بكل أطيافهم، أن يتسع صدرهم لهذا الطرح، وأن نختلف حول الأفكار لا حول الأشخاص. الحقيقة أن وثيقة العهد الوطني الفلسطيني للصمود والوحدة لم تأتِ لتنافس أحداً، ولم تُكتب لتكون بديلاً عن أي فصيل أو مؤسسة أو منظمة، ولم تُصغ لتضيف انقساماً جديداً إلى الانقسامات القائمة. بل جاءت من قناعة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، مفادها أن فلسطين اليوم بحاجة إلى مساحة يلتقي فيها الجميع على ما يجمعهم، لا على ما يفرقهم.
لقد كشفت السنوات الماضية، بكل ما حملته من حروب وأزمات وانقسامات، أن شعبنا يمتلك قدرة استثنائية على الصمود، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى خطاب وطني جامع، وإلى عمل مؤسسي يترجم الإرادة الشعبية إلى مبادرات عملية تخدم الإنسان الفلسطيني في كل مكان. ومن هنا جاءت وثيقة العهد الوطني الفلسطيني للصمود والوحدة، بوصفها عهداً أخلاقياً ووطنياً قبل أن تكون نصاً مكتوباً. فهي تدعو إلى احترام التعددية، وتعزيز الشراكة، وترسيخ ثقافة الحوار، وتغليب المصلحة الوطنية، وحماية كرامة الإنسان الفلسطيني، والعمل المشترك من أجل مستقبل أفضل.
ولعل أكثر ما أثار انتباهي منذ الإعلان عن وثيقة العهد الوطني الفلسطيني للصمود والوحدة، وعن انشاء الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية، هو تركيز التعليقات على الأشخاص أكثر من الفكرة. فقد قرأت مراراً تعليقات مثل: "ومن هؤلاء، كلهم من غزة، معقول هؤلاء يعيشون في الخيام ويقفون في طوابير التكيات والمياه...الخ". ومن هنا ومن واقع هذه التعليقات الثقيلة على النفس رغم مشروعيتها بعيداً عن التهكم. أقول بكل صراحة: نعم، كل المؤسسين من قطاع غزة، ويعيشون اليوم، كما يعيش مئات الآلاف من أبناء شعبنا، في الخيام، ويقفون في طوابير المياه والطعام، ويعانون من النزوح وقسوة الحياة، ومن الحشرات والقوارض، ومن تفاصيل يومية لم يكن يتخيلها أحد قبل سنوات. وليس في ذلك امتياز لأحد، ولا منقصة من أحد، بل هو وصف لواقع فرضته الظروف، ولم يلغي حق أصحابه في التفكير أو المبادرة. لكن هل أصبحت المعاناة سبباً لإسكات أصحابها؟ وهل من يعيش الألم لا يحق له أن يفكر في مستقبل وطنه؟ إن من ذاق مرارة الحرب هو الأقدر على إدراك قيمة الوحدة، ولعل من يعيش تحت القصف، أو في الخيمة، أو ينتظر دوره في طابور الماء، هو أكثر الناس إدراكاً لحاجتنا إلى مشروع يجمع الفلسطينيين، لأن الانقسام لا يدفع ثمنه الساسة وحدهم، بل يدفعه المواطن البسيط كل يوم.
إن هذه المبادرة لم تولد في قاعات فخمة أو مكاتب مكيفة، بل خرجت من قلب المعاناة، وهذا ليس مدعاة للتقليل منها، بل دليل على أن الفلسطيني، حتى وهو يواجه أصعب الظروف، لا يتوقف عن التفكير، ولا يتخلى عن مسؤوليته تجاه وطنه. ولعل ما يميز هذه الوثيقة أنها لم تُكتب في ظروف مثالية، بل بين الخيام، وفي أيام كان همّ كثير من مؤسسيها تأمين الماء والطعام لأسرهم. وربما لهذا السبب جاءت كلماتها أقرب إلى الناس، لأنها كُتبت بأقلام تعرف معنى المعاناة، لا بأقلام تراقبها من بعيد. ولهذا، فإنني أدعو الجميع إلى مناقشة الوثيقة وأهدافها وبرامجها، لا ظروف من كتبوها. فالأفكار تُقاس بما تحمله من مضمون، والمبادرات تُحكم بنتائجها، لا بالخيمة التي كُتبت فيها.
ولأن أي وثيقة، مهما بلغت قيمتها، تحتاج إلى إطار يحول مبادئها إلى عمل، جاء الإعلان عن الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية، ليس باعتبارها حزباً سياسياً، ولا منافساً لأي مؤسسة قائمة، وإنما إطاراً وطنياً جامعاً، يفتح أبوابه لكل فلسطيني يؤمن بأن الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى خصومة، وأن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة لا سبباً للانقسام. فالهيئة لا تسأل القادم إليها عن انتمائه الحزبي، ولا عن موقعه الجغرافي، ولا عن خلفيته الفكرية، وإنما تسأله سؤالاً واحداً: ماذا تستطيع أن تقدم لفلسطين، ولهذا فإن عمل الهيئة لا يقتصر على البيانات والمواقف، بل يقوم على البحث والدراسات، وبناء المبادرات، والدعوة لتمكين الشباب، وتعزيز دور المرأة، ودعم التعليم والثقافة، وتوسيع العلاقات الوطنية والدولية، والمساهمة في التنمية المجتمعية، والعمل الإنساني، وكل ما يعزز صمود الإنسان الفلسطيني على أرضه. كما تقوم فلسفتها على أن العمل الوطني لا يختزل في السياسة وحدها، بل يشمل المعرفة، والتنمية، والإغاثة، والثقافة وبناء الإنسان، باعتبارها جميعاً عناصر أساسية في تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني.
إننا في الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية لا نزعم أن لدينا جميع الإجابات، ولا ندعي امتلاك الحقيقة وحدنا، لكننا نؤمن بأن الحوار الصادق، والعمل الجماعي، والإدارة الرشيدة، يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً إذا توفرت الإرادة. ولذلك فإن الوثيقة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. وهي ليست نصاً مغلقاً، بل مشروعاً وطنياً قابلاً للتطوير والإثراء بمشاركة الأكاديميين، والمثقفين، والشباب، والمرأة، ورجال الأعمال، ومؤسسات المجتمع المدني، وكل صاحب فكرة أو مبادرة تخدم القضية الفلسطينية. ففلسطين لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الاصطفافات، بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الجسور. ولا تحتاج إلى أصوات تعلو فوق بعضها، بقدر ما تحتاج إلى أصوات تلتقي من أجلها. وهذا هو جوهر وثيقة العهد الوطني الفلسطيني للصمود والوحدة، وهذا هو الهدف الذي قامت من أجله الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية: أن تكون مساحة أمل، ومنصة عمل، وجسراً بين الفلسطينيين، وأن تسهم، بما تستطيع، في تعزيز الصمود، وترسيخ الوحدة، وخدمة الإنسان والوطن.
قد تنجح هذه التجربة، وقد تخطئ، وقد تحتاج إلى مراجعات كثيرة، فليس هناك عمل بشري كامل. لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه هو أن فلسطين تستحق أن نسلك كل طريق يمكن أن يقرب أبناءها من بعضهم، وأن نمنح كل فكرة وطنية فرصة عادلة قبل أن نحكم عليها. فربما لا تصنع الوثائق وحدها الأوطان، لكنها قد تكون الشرارة التي تفتح باباً جديداً نحو مستقبل أكثر وحدة وصموداً. وربما الهيئات لا تنجح بمجرد إعلانها، وإنما تنجح عندما تتحول المبادئ إلى أفعال، والكلمات إلى برامج، والرؤية إلى عمل يلمسه الناس في حياتهم اليومية. وهنا يبدأ التحدي الحقيقي، وهنا أيضاً تبدأ مسؤوليتنا جميعاً. فإذا كان الألم قد جمعنا في الخيام، فليكن الأمل هو ما يجمعنا في مشروع وطني يليق بفلسطين.