عن المرأة التي لا يحق لها أن تتعب
عن العنف الذي لا يترك كدمات، وعن القوة التي يُساء فهمها
ربما لم أكتب يومًا عن العنف الذي تعرضت له، أنا المرأة التي تعتقد أنها أقوى من كل الظروف، التي اعتادت أن تواجه وتقاوم وتتجاوز، وأن تمضي إلى الأمام كأن شيئًا لم يحدث.
لم أتوقف كثيرًا أمام ما يؤلمني، ربما لأنني كنت أعتقد أن القدرة على الاحتمال دليل قوة، وأن ما لا يكسرنا لا يستحق أن نتحدث عنه، وأن الحياة أقصر من أن نتوقف عند كل ما يؤذينا، لكنني بدأت أفكر في عدد المرات التي مررنا فيها، نحن النساء، بتجارب مؤذية، ثم أكملنا حياتنا من دون أن نسمي ما حدث عنفًا.
تذكرت مشهدًا شاهدته في إحدى المحاكم الشرعية، كانت امرأة تشكو للقاضي أن والد بناتها ضربهن، أجابها ببرود: ضرب تأديب، ولم يقتلهن، حاولت أن تشرح له أنه يشتمهن، فجاءها الرد باستهزاء: شتم الأم، ولم يشتمهن بشكل مباشر.
انتهى الأمر بحكم يقضي بضم الفتاة إلى حضانة والدها، لا أعرف ماذا حدث للفتاة بعد ذلك، ولا ما الذي جرى في حياتها، لكنني لم أنس ذلك الحوار.
توقفت طويلًا عند فكرة أن الضرب يمكن أن يُختزل في كونه تأديبًا ما دام لم يؤدِّ إلى الموت، وأن الشتم يمكن أن يصبح أقل شأنًا إذا لم يكن موجّهًا مباشرة إلى الطفلة، ماذا يجب أن يحدث حتى يصبح الأذى جديرًا بالاعتراف؟ وهل علينا أن ننتظر الكارثة حتى نصدّق أن هناك عنفًا؟
لم تكن المسألة بالنسبة إليّ مجرد موقف داخل محكمة، بل سؤالًا عن معنى الحماية والإنصاف، وعن صوت المرأة حين تلجأ إلى جهة يفترض أن تنظر في شكواها بجدية، فحين تُقابَل معاناة امرأة بالاستخفاف، فإن الضرر لا يقتصر على ما حدث لها أو لأطفالها، بل يمتد إلى شعورها بأن شكواها لا تستحق أن تُسمع.
وهذا شكل من أشكال العنف الذي لا يترك كدمة ظاهرة، لكنه قد يجعل الإنسان يشك في حقه في الاعتراض.
وليس هذا المشهد إلا مدخلًا إلى أسئلة أوسع عن النساء اللواتي يجدن أنفسهن، بعد الطلاق، أمام أعباء مالية واجتماعية هائلة، فبالنسبة إلى كثيرات، لا تنتهي المعاناة بانتهاء العلاقة الزوجية، بل تبدأ مرحلة جديدة من المسؤوليات والخوف ومحاولات إعادة بناء الحياة، وقد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى مواجهة أسرتها أيضًا، فتسمع عبارات مثل: إحنا مش مجبورين نربي ولادك، خليهم عند أبوهم.
تخيّلوا امرأة لا تريد سوى أن تحافظ على أطفالها، لكنها تحتاج إلى من يساعدها في رعايتهم كي تستطيع العمل وتأمين احتياجاتهم، فإذا أصبح طلب المساعدة سببًا للضغط عليها أو تهديدها بإبعاد أطفالها عنها، فكم خيارًا يبقى أمامها؟ وكم قرارًا تستطيع اتخاذه بحرية، إذا كان ثمن استقلالها قد يكون فقدان أطفالها؟
ثم نعود إلى العمل، حيث لا تحتاج المرأة دائمًا إلى شخص يصرخ في وجهها كي تتعرض للأذى، قد تجد نفسها تتقاضى أجرًا أقل من زميل لها، أو تُستبعد من فرصة تستحقها، أو تضطر إلى بذل جهد مضاعف كي تثبت أنها جديرة بموقعها، وقد تُرفض في وظيفة بسبب حجابها، بينما تُستبعد امرأة أخرى من فرصة عمل بسبب مظهرها أو لباسها، وفق معايير لا علاقة لها بكفاءتها، وقد تتعرض لتحرش لفظي، ثم تجد نفسها أمام سؤال مؤذٍ آخر: لماذا لم تعترضي؟ ولماذا لم تتكلمي؟ وهل أنت متأكدة أنك لم تفهمي الأمر بطريقة خاطئة؟
وهكذا، لا تواجه المرأة الأذى وحده، بل تواجه أحيانًا عبء إثبات أنها تعرّضت له، وعبء الدفاع عن نفسها، والخوف من أن تتحول الشكوى إلى خسارة جديدة.
وفي فلسطين، تتقاطع هذه الأشكال من العنف مع عنف الاحتلال اليومي، فالمرأة التي تحاول الوصول إلى عملها أو جامعتها أو مستشفى، قد تجد نفسها عالقة عند حاجز، أو تواجه الخوف والمضايقات في الشارع، أو تعيش قلقًا مستمرًا على أبنائها وأفراد أسرتها، وتتعرض الأسيرات الفلسطينيات أيضًا لتجارب الاعتقال وما قد يصاحبها من انتهاكات وإذلال وحرمان من الحرية، هنا لا يعود الحديث عن العنف شأنًا منفصلًا عن السياسة والاستعمار، إذ تتداخل السيطرة على الحركة والأمان والحياة اليومية مع الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي تتحملها النساء أصلًا.
لا يعني ذلك أن كل أشكال العنف متطابقة، أو أن مسؤوليات الجهات المختلفة واحدة، لكنه يعني أن المرأة قد تجد نفسها أمام أكثر من مصدر للأذى في الوقت نفسه، من دون أن تجد دائمًا جهة تنظر إلى الصورة كاملة.
ما يشغلني هو أننا كثيرًا ما نحتفي بقدرة النساء على التحمل، نصفهن بالصابرات والقويات، ونستند إلى قوتهن كي نطمئن إلى أنهن سيتجاوزن ما يحدث، لكننا نادرًا ما نسأل: لماذا عليهن أن يتحملن كل هذا أصلًا؟
ربما حان الوقت لأن نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها القوة، فالقوة ليست أن تصمت المرأة عن الإهانة، ولا أن تتنازل عن حقوقها كي تحافظ على استقرار عائلتها، ولا أن تقبل بالتمييز خوفًا من خسارة عملها، ولا أن تتعايش مع الأذى لأنها لا تملك بديلًا.
القوة أيضًا أن تعترف المرأة بأنها تأذت، وأن تطلب الإنصاف، وأن تقول لا، وأن تجد مؤسسات وأسرة ومجتمعًا لا يعاقبونها على ذلك.
ربما لم أكتب يومًا عن العنف الذي تعرّضت له، لكنني أعرف اليوم أن قدرتي على الاستمرار لا تعني أن كل ما واجهته كان مقبولًا، وأعرف أن هناك نساء كثيرات يواصلن حياتهن، ويعملن ويرعين أبناءهن ويساندن الآخرين، فيما تبقى أوجاعهن بلا اسم.
لسنا بحاجة إلى أن ننتظر أن يترك العنف كدمة، أو أن تنتهي الحكاية بمأساة، حتى نأخذه على محمل الجد.
فالمرأة لا تحتاج إلى أن تنهار كي نصدّق أنها متعبة، ولا إلى أن تفقد كل شيء كي نعترف بأن لها حقوقًا، ولا إلى أن تثبت قوتها كل يوم كي تستحق الأمان والكرامة والإنصاف.