180 يوما من الحفر بالأيدي العارية بحثا عن زوجته
غزة - أرض الإخبارية
في مشهدٍ يفوق قدرة البشر على الاحتمال، يقف محمود حماد، الناجي الوحيد من منزل من ستة طوابق محاه صاروخ الاحتلال من الوجود، لم يمت محمود، لكنه دفن حيًا تحت وطأة الذاكرة.
انهار البناء عليه ليغوص به إلى عمق 12 مترا في باطن الأرض.
وعندما فتح عينيه على الظلام، وجد نفسه تحت جبل من الأسمنت يزن 500 طن، وفوق صدره ذكرى زوجته الحامل في شهرها التاسع، وأطفاله الستة، وعائلة شقيقه بأكملها.
لم يستسلم محمود رغم إصابته البالغة. بدأ رحلة البحث بأطراف أصابعه المتورمة، يحفر في الخرسانة كالمجنون، مدفوعا بمشاهد لن تغادر عينيه: كلاب ضالة كانت تحاول الوصول إلى الجثث، كأنما الطبيعة تسابق البشر في انتهاك حرمة الموتى.
الجانب الغربي: حرارة النيران أذابت عظام الأطفال
عندما وصل إلى الجهة الغربية من المنزل، صعق بالاكتشاف: الحرارة المنبعثة من الانفجار كانت عالية لدرجة أن عظام أطفاله الستة قد تحولت إلى رماد لا يلمس.
وفي الجهة الشرقية، واجه الغياب الأقسى: اختلط رفات زوجته بالرمال والحصى، صار العظم والتراب لونا واحدا لا تفرقه عين.
هناك، لم يجد محمود وسيلة سوى الغربال، يهزه بصبر لا يطيقه جسد منهك.
ينخل تراب منزله قطعة قطعة، يبحث عن سن صغيرة، أو خصلة شعر، أو بقايا عظم تمنحه وداعا لم يحدث.
180 يوما تحت الشمس
ستة أشهر متواصلة من الحفر، تحت شمسٍ تحرق الجسد وغبار يخنق الروح.
لم يكل محمود. استطاع في النهاية أن ينتشل زوجته وجنينها الذي لم ير النور، ودفنهما بقبضةٍ من تراب كان منزلهما يوما.
والآن، لا يزال يقف فوق الركام، ممسكا غرباله كأنه يمسك بقلبه.
يقسم أنه لن يرحل حتى يجمع شتات عائلته إلى آخر عظمة، ليمنحهم قبرا ووداعا يليق بإنسان، لا أن يكونوا مجرد رقم في سجلات الفقد.
"لن أكون سعيدا إلا حين أقول: دفنتهم جميعا، يقول محمود، وعيناه تنظران إلى حيث كان يعيش حبه الوحيد... ختم محمود