زجاجة الويسكي التي بقيت في الذاكرة
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. تضعنا هذه الآية أمام حقيقة الإنسان في مسيرة العمر؛ فما يجمعه من علم وتجارب وذكريات لا يخرجه من حدود الضعف البشري، ولا يعفيه من مراجعة ما عاشه وما اختاره. لكن التقدم في السن لا يعني بالضرورة تراجع الذاكرة أو الإدراك؛ فقد يكون، على العكس، زمناً يستعيد فيه الإنسان تفاصيل من ماضيه، ويقرر أن يروي ما ظل صامتاً عنه سنوات طويلة. من هنا تستوقفنا رواية رجل مثقف تجاوز الثمانين من عمره، تحدث عن علاقة جمعته بضابط مخابرات إسرائيلي، وعن هدايا من الويسكي كان يقدمها إليه خلال لقاءات كانت تتم في غزة، ثم عن زيارة قام بها إلى منزل الضابط في عسقلان، حاملاً زجاجات أخرى، طلباً لتدخله في أمر أراد إنجازه. وهناك وجد الضابط يستضيف أصدقاءه، والويسكي حاضراً أمامهم، فقدمه الرجل إليهم بوصفه صديقاً من غزة. ويقول صاحب الرواية إنه شرب معهم للمرة الأولى في حياته، وإنه فعل ذلك بدافع الضرورة.
هنا لم تعد المسألة مجرد حكاية عن مشروب أو لقاء اجتماعي، بل تفتح باباً للنظر في ثلاثة مستويات متداخلة: الحكم الشرعي على الفعل، وطبيعة العلاقة التي جمعت الرجل بضابط المخابرات، ودلالة استعادة هذه الواقعة والإفصاح عنها بعد عقود طويلة. من الناحية الفقهية، لا يلتبس أصل الحكم في الخمر؛ فقد حرمها الإسلام تحريماً واضحاً، ولم يقصر النهي على شربها، بل تناول كذلك التعامل بها والإعانة على تداولها. وقد ورد في الحديث ذكر بائع الخمر ومشتريها وحاملها وساقيها وغيرهم ممن يتصلون بها. ولذلك فإن شراء المسلم الويسكي بقصد تقديمه هدية إلى شخص آخر، أو حمله لهذا الغرض، لا يصبح جائزاً لمجرد أن المتلقي غير مسلم، أو لأن الهدية قُدمت في سياق علاقة شخصية أو سياسية أو حتى للتعمية. ولا يتغير هذا الحكم بتغير الغاية التي يُراد تحقيقها؛ فالقول إن الغاية تبرر الوسيلة مبدأ مرفوض في ميزان الشريعة، لأن مشروعية المقصد لا تمنح الوسيلة المحرّمة مشروعية تلقائية. فلا يجوز للإنسان أن يتخذ من رغبته في إنجاز مهمة، أو تحقيق مصلحة شخصية أو عامة، مبرراً لارتكاب ما حرّمه الله، وكأن أهمية الهدف تُسقط المسؤولية عن الطريق المؤدي إليه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً". وهذا أصل يذكّر بأن صلاح المقصد لا ينفصل عن طهارة العمل ومشروعية الوسيلة، وأن الغايات لا تُقاس بمعزل عن الأفعال التي تُتخذ سبيلاً إلى بلوغها. وتزداد المسألة وضوحاً عند الانتقال من تقديم الهدية إلى شرب الخمر نفسه. فالشرب محرم في الأصل، ولا يكفي وصف الموقف بأنه ضرورة لإثبات انطباق أحكام الضرورة الشرعية عليه. فالضرورة في الفقه ليست مرادفاً للحاجة أو الحرج الاجتماعي، وإنما لها ضوابط تتعلق بحقيقة الظروف ومدى تحققها، وتُقدَّر بقدرها. ومن ثم فإن فهم الضرورة يتطلب معرفة ملابسات الموقف، دون أن نُسقط على روايته تفاصيل لم يذكرها. غير أن الحكم على الفعل لا يعني إصدار حكم نهائي على صاحبه. فثمة فرق بين بيان الحكم الشرعي وبين اختزال الإنسان في واقعة من حياته، كما أن الحكم على الفعل لا يمنحنا حق القطع بمصير فاعله عند الله. فالإنسان أوسع من حادثة واحدة، وتاريخه لا يُقرأ بإنصاف إذا عُزلت واقعة عن سياقها، أو تحولت المخالفة إلى حكم شامل على حياته كلها.
لكن البعد السياسي للقصة لا يقل أهمية عن بعدها الفقهي. فالرجل، وفق روايته، لم يلتق شخصاً عادياً، بل ضابط مخابرات إسرائيلياً، وتحدث عن لقاءات متكررة وهدايا من الويسكي، ثم عن زيارة إلى منزل الضابط ارتبطت بحاجة أراد إنجازها من خلال تدخله. وهذه التفاصيل تتيح التساؤل عن طبيعة العلاقة والوظيفة التي كانت تؤديها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أنها كانت علاقة شخصية بحتة، أو أنها كانت غطاءً لنشاط تنظيمي أو وطني. فقد تكون للعلاقة أبعاد تتجاوز ظاهرها الاجتماعي، وقد تكون لها دوافع أخرى لا نعرفها. إن فهم السياق قد يفسر بعض الاختيارات، لكنه لا يلغي ضرورة التحقق من الوقائع، ولا يحسم وحده الحكم الأخلاقي أو الشرعي عليها. نصل إلى السؤال الذي يعيدنا إلى العمر والذاكرة: لماذا اختار الرجل أن يروي هذه الواقعة في هذه المرحلة من حياته؟ هل أراد تسجيل شهادة عن مرحلة مضت؟ هل كان يعيد تفسير تجربته بعد مرور العقود؟ أم أنه رأى في الحكاية تفصيلاً يستحق أن يبقى في ذاكرة الآخرين؟ لا نملك ما يكفي للجزم بدافع محدد، ولا يصح أن نستنتج الندم أو التبرير أو الرغبة في كشف سر من مجرد رواية الواقعة.
إن استحضار الآية القرآنية في مطلع المقال لا يعني أن بلوغ الثمانين دليل على ضعف الإدراك، ولا أن الاعتراف المتأخر يفقد قيمته بسبب عمر صاحبه. إنما يضعنا أمام حقيقة أوسع: أن الإنسان يعيش بين ما يتذكره وما ينساه، وبين ما يرويه عن نفسه وما تظل تفاصيله بحاجة إلى التحقق. فالذاكرة شهادة مهمة، لكنها ليست دائماً التفسير الكامل للتاريخ، والرواية الشخصية تفتح باب البحث ولا تغني عن القرائن. لهذا لا ينبغي أن يقودنا الاستماع إلى هذه الحكاية إلى محاكمة الرجل بمجرد الانطباع، كما لا ينبغي أن يقودنا احتمال وجود غاية سياسية أو وطنية إلى تبرئة الأفعال دون فحص. المطلوب هو أن نفهم الفعل في ميزان الشريعة، والعلاقة في سياقها التاريخي، والاعتراف في حدوده بوصفه رواية شخصية تحتاج إلى قراءة متأنية. وفي النهاية، ربما لا تكون القضية في زجاجات الويسكي وحدها، بل في المسافة بين ظاهر العلاقة وحقيقتها، وبين الغاية التي قد يسعى إليها الإنسان والوسيلة التي يختارها لتحقيقها، وبين ما عاشه في الماضي وما قرر أن يكشفه في الحاضر. فماذا أراد الرجل أن يقول لنا حين اختار، بعد أكثر من ثمانين عاماً من عمره، أن يروي هذه الحكاية؟ وهل تكشف روايته حقيقة العلاقة، أم أنها تضعنا أمام أسئلة جديدة لا تزال بحاجة إلى إجابات؟