وهم "الحكم الذاتي".. ما تخططه القيادة الإسرائيلية فعلياً للفلسطينيين
ما هو الحل النهائي الذي يريده الإسرائيليون مع الفلسطينيين، في حين أنّ القيادة الإسرائيلية بكافة أطيافها وأحزابها لا تؤيد حل الدولتين! نحن نعرف ماذا تريد القيادة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً، مثل سموتريتش وبن غفير ونتنياهو الذي يدعمهم. فقد صرّحوا مراراً وتكرارا أنه مع إبادة جماعية أخرى في الضفة الغربية على غرار ما حدث في غزة، أو طرداً جماعياً وتطهيراً عرقياً. أما القادة الإسرائيليون الذين يظهرون أنهم أقل تطرفاً، مثل بينيت وليبرمان وإيزنكوت، فهم واضحون بشأن ضم القدس الشرقية نهائياً إلى إسرائيل، والاستمرار في توسيع المستوطنات وإقامة نظام فصل عنصري في الضفة الغربية، وإبقاء الاحتلال أبداً مؤبداً ما يجعل جميع الفلسطينيين في فلسطين تحت سيطرة إسرائيلية دائمة. وحتى لو تبنت هذه القيادة الأقل تطرفاً نظام حكم ذاتي للفلسطينيين، فإن هذا النظام يجب أن يخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة من الجو والبر والبحر. وهذا يعني أن أي قيادة إسرائيلية لن تتمكن من حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حلاً جذرياً، لأن الفلسطينيين لن يقبلوا حلاً لن يعطيهم حريتهم الكاملة ويبقيهم تحت الاحتلال أو الفصل العنصري أو سيطرة الإسرائيليين. إن حل الدولتين ميت في الخطاب السياسي الإسرائيلي. هذا ليس ادعاءً أو تقييم من طرفي بل هو الموقف الصريح للحكومة الإسرائيلية الحالية والقيادات المرشحة لحكم إسرائيل في الفترة القادمة بالاحتفاظ بالسيطرة الأمنية التامة على "كامل المنطقة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط". كل تلك القيادات تشترك في مبدأ واحد غير قابل للتفاوض: السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأمن والحدود والمجال الجوي. وسأطرح هنا النماذج الأربعة الرئيسية المتداولة في الأوساط السياسية الإسرائيلية، وتداعياتها على الفلسطينيين، ولماذا لا يمكن لأي منها أن يحل الصراع بشكل دائم.
النموذج الأول: "الحكم الذاتي بدون سيادة" لنتنياهو
في خطابه عام 2009 في جامعة بار-إيلان، أيد نتنياهو ما أسماه "دولة فلسطينية منزوعة السلاح"—ولكن بشروط جردتها من أي سيادة حقيقية. بحلول عام 2026، حتى هذه الرؤية المحدودة تبخرت. نتنياهو الآن لا يتحدث عن دولة منزوعة السلاح بل عن سيطرة أمنية إسرائيلية دائمة على كامل الأراضي بين نهر الأردن والبحر المتوسط. هذه ليست دولة ناقصة؛ بل احتلال زائد. ما يعنيه هذا عملياً هو سلطة فلسطينية تدير الشؤون المدنية الداخلية—التعليم، الصحة، الشرطة المحلية، جمع النفايات—بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على الحدود والمجال الجوي والتدخل العسكري وتوسيع المستوطنات والقدس. يسمي النقاد هذا "حكماً ذاتياً مربوطاً بطوق". وبشكل أكثر دقة، هو حكم بلدي تحت احتلال عسكري.
النموذج الثاني: "الضم زائد الحكم الذاتي" لبينيت
موقف نفتالي بينيت أكثر وضوحاً من الناحية الإقليمية. يدعو إلى الضم الرسمي للمنطقة "ج" وهي تشكّل ما نسبته60% من الضفة الغربية الخاضعة لسيطرة عسكرية ومدنية إسرائيلية كاملة، مع منح "حكم ذاتي محدود" للفلسطينيين في المنطقتين أ و ب. خطة بينيت ستخلق سيادة إسرائيلية كاملة على المنطقة ج، بما في ذلك جميع المستوطنات وغور الأردن. وسيحصل الفلسطينيون على حكم ذاتي في جيوب منفصلة، بدون تواصل جغرافي وبدون سيطرة على الحدود أو المجال الجوي أو الأمن الخارجي. لن تكون هناك دولة فلسطينية أبداً. يُسوَّق هذا النموذج أحياناً على أنه براغماتي و"إدارة صراع" بدلاً من حل الصراع. في الواقع، هو يكرّس الفصل العنصري: مجموعتان سكانيتان تعيشان في نفس الأرض تحت نظامين قانونيين مختلفين، بحقوق مختلفة، ومستقبل مختلف.
النموذج الثالث: "كيان، وليس دولة" لأيزنكوت
غادي أيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق والمرشح الأبرز لرئاسة الحكومة القادمة، طور نموذجاً متعدد المراحل: تدمير حماس، إنشاء "تحالف عربي-أمريكي-إسرائيلي" لنقل الشؤون المدنية في غزة إلى قادة محليين، الحفاظ على "حرية العمل" الإسرائيلية في غزة مع منطقة عازلة، وتأجيل أي قرار بشأن الوضع النهائي لحوالي خمس سنوات. والأهم أن أيزنكوت يدعو إلى اتفاق إسرائيلي-أمريكي على إنشاء "كيان فلسطيني"—وليس دولة. الكيان يعني لا سيادة، لا جيش، لا سيطرة على الحدود أو المجال الجوي، وحكم ذاتي محدود خاضع للرقابة الأمنية الإسرائيلية.
النموذج الرابع: رفض ليبرمان لأي كيان فلسطيني
كان أفيغدور ليبرمان الأكثر صراحة في رفض أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية. "لا أهتم بدولة فلسطينية"، قال في عام 2018. "أنا مهتم بدولة يهودية آمنة". يبدو أن موقفه يذهب أبعد من الآخرين، حيث يؤطر الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل كـ"مشكلة تحتاج إلى حل". وهذا يشير إلى نموذج يقوم على لا دولة فلسطينية بأي شكل، أو فصل ديموغرافي إن أمكن، أو سيطرة دائمة على الفلسطينيين بدون أي حقوق سياسية.
تشترك جميع النماذج الإسرائيلية في مبدأ واحد غير قابل للتفاوض: يجب أن تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية النهائية. وهذا يخلق موقفاً مستحيلاً لأي قيادة فلسطينية. سلطة "حكم ذاتي" لا تستطيع السيطرة على حدودها أو مجالها الجوي أو أمنها ليست دولة - بل هي حكومة بلدية تحت الاحتلال. لا يمكن لأي قائد فلسطيني أن يقبل هذا ويحتفظ بشرعيته بين شعبه. هناك حوالي 7 ملايين يهودي و7 ملايين فلسطيني بين نهر الأردن والبحر المتوسط وأي نموذج يخلق سيطرة إسرائيلية دائمة دون منح الجنسية للفلسطينيين يخلق نظام فصل عنصري - وهي حقيقة يعترف بها حتى بعض المحللين الإسرائيليين، الذين يحذرون من أن الضم بدون حقوق تصويت "سيؤدي إلى الفصل العنصري". إنّ تاريخ القرن العشرين مليء بأمثلة لشعوب مقهورة تحملت عقوداً من الاحتلال لتصل في النهاية إلى التحرير. لا شعب يقبل الخضوع الدائم والفلسطينيون لن يكونوا الاستثناء.
إنّ نظام الحكم الذاتي الذي تفكر فيه القيادة الإسرائيلية ليس حلاً للصراع - بل هو استراتيجية إدارة يسعى للحفاظ على السيطرة الإسرائيلية مع تفويض الإدارة اليومية للشؤون الفلسطينية لسلطة تابعة. هذا النظام له عدة سمات: أولاً إنه دائم. لا يقترح أي من النماذج مساراً نحو السيادة الكاملة. "الكيان" أو "الحكم الذاتي" هو حالة نهائية، وليس مرحلة انتقالية. ثانياً، إنه خاضع تماما للسيطرة الإسرائيلية. ثالثاً، إنه مجزأ. يعيش الفلسطينيون في جيوب منفصلة - غزة، المنطقتان أ و ب والقدس الشرقية - بدون تواصل جغرافي أو حرية تنقل. رابعاً إنه غير متكافئ. مجموعتان سكانيتان تعيشان في نفس الأرض تحت نظامين قانونيين مختلفين. إحداهما لديها حقوق كاملة، بما في ذلك حق التصويت والسفر وتقرير المصير. والأخرى لديها حكم ذاتي محدود تحت احتلال عسكري. هذه ليست صيغة للسلام. إنها صيغة لصراع دائم. سيتم إدارته إلى أجل غير مسمى - عبر الجدران ونقاط التفتيش والعمليات العسكرية الدورية - حتى الانفجار التالي. السؤال ليس ما إذا كان هذا سيؤدي إلى حرب أخرى. السؤال هو متى؟