تغريبة القيد والخيام.. «حراس الذاكرة» في غزة يربطون غُلَّ الزنزانة بحلم العودة
غزة: أرض الإخبارية
كتب: بهاء عبدالله
أمام البوابة الحديدية لمقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمدينة غزة، لم تكن الحشود التي تجمعت مجرد أرقام في وقفة احتجاجية رتيبة، بل كانت فصولاً حية من رواية فلسطينية لم تكتمل بعد. هناك، وتحت شمس مايو التي لفحت وجوه اللاجئين والأسرى المحررين، التقت رمزيتان شكلتا وجدان الفلسطيني لقرابة ثمانية عقود: «الخيمة» التي كانت أول مأوى بعد النكبة، و«الزنزانة» التي باتت ضريبة البقاء فوق الأرض أو المطالبة بها.
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، لم يعد الفلسطينيون في غزة يتحدثون عن عام 1948 كحدث تاريخي غبره الزمن، بل كواقع يومي يتنفسونه بين خيام النزوح الجديدة التي نصبتها الحرب الأخيرة، وبين أخبار التنكيل التي تخرج من وراء القضبان.
مفارقة الرمزية: الحكاية واحدة

«أسرانا هم ورثة الأرض، ولن تكتمل العودة إلا بحريتهم»؛ هكذا هتف المشاركون، مؤكدين أن الأسير في المخيالالشعبي الفلسطيني ليس مجرد سجين سياسي أو مقاتل خلف القضبان، بل هو «المستودع الحي» للذاكرة، وهو الكائن الذي جمدت فيه سلطات الاحتلال جسده، لكنها عجزت عن تجميد حلمه بالديار التي هُجر منها أجداده.
«حراس الذاكرة».. السجن كجبهة هوية

في هذا السياق، يوضح محمد جرادة، القيادي في المبادرة الوطنية وعضو لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية، أن الخيمة الفلسطينية باقية كرمز للصمود منذ عام 1948. ويقول، لـ«أرض الإخبارية»، بنبرة واثقة: «نحن كلاجئين نؤكد أن هذه الذكرى ستظل حاضرة في عقول أطفالنا جيلاً بعد جيل. صمود أهلنا في غزة خلال الحرب الأخيرة هو أكبر برهان على فشل السياسات القديمة الرامية لتهجيرنا».
يرى جرادة أن الرهان اليوم هو على «وعي الصمود»، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني برهن للعالم قدرته على العيش في الخيام وسط معاناة رهيبة، لكنه رفض التهجير رغم كل الضغوط الدولية والأمريكية.
نكبة متجددة.. ظل «بن غفير» الثقيل

مصطفى عبد ربه (أبو برهان)، مدير جمعية واعد للأسرى والمحررين، يصف المشهد بمرارة ممزوجة بالتحدي: «بعد ثمانية وسبعين عاماً، يحاول العدو تجديد مأساة النكبة بحقنا في قطاع غزة، لكننا لن نغادر». ويضيف، لـ«أرضالإخبارية»: «نحن ما زلنا نعيش في ظل النكبة، مشتتين ومشرجين، ولكننا صامدون شموخ الجبال. لن نترك أرضنا رغم حجم الدمار والفقد، وسنعود يوماً إلى حيفا، ويافا، والقدس، والرملة».
هذا الربط بين «نكبة 48» و«نكبة 2026» يظهر بوضوح في المطالبات الشعبية؛ حيث يرى المتظاهرون أن «النكبة الكبرى هي بقاء أبطالنا خلف القضبان»، وأن تحرير الأسير هو الخطوة العملية الأولى نحو استعادة الأرض.
رسائل الصمت.. عجز المجتمع الدولي

وقال الشوا بحدة، في حديثه لـ«أرض الإخبارية»: «بكل أسف، ما يزال العالم حتى هذه اللحظة يقف صامتاً ولا يحرك ساكناً بما يتوازى مع حجم الألم. المطلوب فعل لا تواطؤ للجم هذا الاحتلال وإيقافه عند حده». تعكس هذه الكلمات حالة الإحباط الشعبي من المنظمات والهيئات العالمية التي يراها الغزيون شريكة بصمتها في سياسة «الموت البطيء» التي تلتهم أعمار الأسرى داخل الزنازين.
صراع الوعي وإرث الأجيال
ولم تغب براءة الأطفال عن المشهد، حيث وقف الصغار بجانب أمهاتهم اللواتي حملن لافتات تؤكد أن «الأسير هو حارس ذاكرة العودة». إن وجودهم في هذه الوقفة، وهم يشاهدون صور الشهداء كالأطباء الأبطال وشعارات الصمود، هو الرد العملي الذي يرسخ ما ذكره محمد جرادة بأن هذه الذكرى ستبقى حية في «مدارك الأطفال» جيلاً بعد جيل.
تتجاوز الرسالة التي خرجت من أمام مقر الصليب الأحمر في غزة حدود الاحتجاج التقليدي؛ إنها تأكيد على أن الصراع في جوهره هو «صراع ذاكرة». فبين خيمة النزوح وزنزانة الأسير، ينسج الفلسطينيون خيوط حكايتهم الواحدة، مؤمنين بأن القيد الذي يلتف حول معصم الأسير هو ذاته القيد الذي يحاول خنق حق العودة، وأن كسر أحدهما يعني حتمًا انكسار الآخر. تفرق الحشد، لكن اللافتات بقيت معلقة في الأذهان: «الحكاية واحدة.. والحرية آتية».