صيف الطفيليات والجرذان في غزة: أوبئة جلدية تجتاح أجساد الصغار و«صفر أدوية»
غزة- «أرض الإخبارية»
كتب/ بهاء عبدالله
تستقبل خيام النازحين في شمال قطاع غزة فصل الصيف هذا العام بهواجس صحية تتجاوز في خطورتها قسوة الطقس. فمع ارتفاع درجات الحرارة، لم تعد المخاطر محصورة في ضربات الشمس أو الإعياء، بل تحولت «البيئة الموبوءة» داخل الخيام إلى مصدر لانتشار واسع لأمراض جلدية تنهش أجساد آلاف الأطفال، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية ونفاد أكثر من نصف المستلزمات الطبية الأساسية.
خريطة المرض في مشروع بيت لاهيا
في منطقة مشروع بيت لاهيا، تجلس الطفلة لبنى عليان (4 سنوات) داخل خيمة لا يتجاوز عرضها مترين، يغطي جسدها طفح جلدي أحمر حاد امتد من عنقها إلى فخذيها. والدتها، سارة، تقضي معظم ساعات النهار في محاولة تطهير جروح ابنتها بماءٍ شحيح، وهي تحاول جاهدة الحصول على موعد في عيادة «الأونروا» القريبة.

وتضيف: «ابنتي لا تنام الليل، تقضيه في الصراخ من الطفح الذي يحرق جلدها، لا أدري ماذا أفعل كي أخفف عنها الوجع. فليخبرنا المجتمع الدولي ماذا نفعل؟».
وفقًا لما وثقته «أرض الإخبارية» من شهادات ميدانية، تتكرر هذه الحالة آلاف المرات يوميًا. وتشير بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) إلى أن عدد الإصابات بالالتهابات الجلدية في القطاع قفز من 3 آلاف حالة في يناير الماضي إلى أكثر من 125,085 حالة حتى منتصف مايو 2026. وتتعامل الطواقم الطبية يومياً مع قرابة 400 حالة جديدة، وسط تحذيرات من أن نسبة الأطفال بين المصابين بلغت 62%، ما يجعلهم الحلقة الأضعف في هذه الأزمة.
عجز في المخازن.. وشلل في الخدمة
تؤكد وزارة الصحة في غزة أن واقع الإمدادات الطبية يعيش مرحلة "مخزون الصفر". وتشير الأرقام الرسمية الصادرة في مايو الماضي إلى أن 47% من الأدوية الأساسية قد نفدت تماماً، كما تعاني المستودعات من عجز بنسبة 59% في المستلزمات الطبية، و87% في مواد الفحوصات المخبرية.
ويضيف: «الأطفال دون السنتين هم الأكثر تضرراً لأن جلدهم لا يتحمل هذه الظروف، ونحن نعطيهم علاجات بديلة لا ترقى للمستوى الطبي المطلوب، فقط لنمنع تفاقم الإصابة».
مبيدات الاحتلال في مواجهة كارثة البيئة
في محاولة لاحتواء التدهور، دخلت نهاية الشهر الماضي دفعات من المبيدات الحشرية وأدوات مكافحة الآفات إلى القطاع بالتنسيق بين سلطات الاحتلال والأمم المتحدة. شملت الشحنات، وفق تقارير أممية، 110 أطنان من المعدات، تضمنت 30 ألف بخاخة حشرية و10 آلاف بخاخ للبعوض و4500 مصيدة للقوارض.
إلا أن وزارة الزراعة الإسرائيلية اشترطت فحص هذه الشحنات بدقة لضمان خلوها من مواد «الاستخدام المزدوج»، وهو شرط أدى إلى تأخير وصولها لأشهر.

ويضيف السراج أن «العرقلة التقنية» التي تفرضها سلطات الاحتلال عبر حظر المبيدات قوية المفعول تجعل من إجراءات المكافحة «عملاً شكلياً لا ينهي جذور المشكلة». ونتيجة لذلك، ما يزال سكان الخيام يبلغون يومياً عن حوادث عض مباشرة من الجرذان والقوارض أثناء النوم، وهي إصابات تضاف إلى قائمة طويلة من التهديدات البيئية.
صيفٌ محفوف بالمخاطر
يرى ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، أن «تزامن ارتفاع درجات الحرارة مع تراكم النفايات وتكدس النازحين في مساحات ضيقة، يخلق بيئة مثالية للجرب والجدري والأمراض الجلدية الطفيلية». التحذيرات الأممية تشير إلى أن الصيف القادم لن يكون مجرد تحدٍ مناخي، بل سيمثل ضغطاً إضافياً على منظومة الصحة المتهالكة أصلاً.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أفرز هذا الواقع تحدياً جديداً يتمثل في «الوصمة». أم سامر شلوف، التي تعيش في وسط القطاع، تقول لـ«أرض الإخبارية» إن أطفالها توقفوا عن التردد على المراكز التعليمية المؤقتة. «الأطفال يخجلون من آثار الطفح على وجوههم، وزملاؤهم يتجنبونهم خوفاً من العدوى. هذا المرض لا يفتك بالجسد فقط، بل يعزل الطفل عن محيطه».
يؤكد مسؤولون محليون ومراقبون صحيون أن الاستجابة الدولية المحدودة، سواء عبر الأدوية أو المبيدات الحشرية، لن توقف انهيار الوضع الصحي ما لم يتم معالجة «أصل الأزمة» المتمثل في حظر دخول المستلزمات الطبية العاجلة، وحل معضلة تراكم النفايات ومياه الصرف الصحي بين الخيام. وبينما ينتظر العالم تحركاً أوسع، يبقى أطفال غزة رهينةً لأزمةٍ صحيةٍ مركبةٍ لا ترحم.