شبح التوريث يعود من بنغازي: هل يخلف والده في حكم شرق ليبيا؟
لندن - أرض الإخبارية
منذ عشر سنوات تقريبا، برز صدام حفتر (35 عاما)، نجل قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر وآخر أبنائه، بوصفه أحد الوجوه الصاعدة داخل المعسكر الشرقي، مع تنامي مسؤولياته العسكرية واتساع تحركاته على المستوى الخارجي.
وفي قراءة ليورونيوز، قال الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الليبي خالد الورتاني إن هناك مؤشرات تدعم فرضية الإعداد لخلافة عائلية داخل معسكر خليفة حفتر، أبرزها تصاعد المسؤوليات العسكرية والأمنية لصدام الذي سُمّي بهذا الاسم تيمّنا بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، واتساع حضوره في الاتصالات الخارجية، وتزايد دوره في إدارة علاقات القيادة العامة.
لكنه شدد على ضرورة التمييز بين تهيئة وريث محتمل وحسم انتقال السلطة، موضحاً أن الجزم بوجود قرار نهائي بشأن الخلافة يظل سابقاً لأوانه في غياب إعلان واضح أو ترتيبات مؤسسية تحسم المسألة.
آل حفتر.. خلافة داخل المؤسسة العسكرية
وُلد صدام حفتر في مدينة بنغازي بشرق ليبيا عام 1991، وهو منحدر من قبيلة الفرجان وتقول تقارير إنه لم يكمل حتى تعليمه الثانوي حصل نجل المشير حفتر على رتبة نقيب قبل أن تتم ترقيته إلى عقيد رغم أنه رجل مدني ولم يتدرّج في أية أكاديمية أو مؤسسة عسكرية.
عام 2016، أسس صدام حفتر ما يسمى ب "الكتيبة 106" التي كانت بمثابة الحرس الخاص لوالده. خاض معارك ضارية مع مقاتلي داعش استطاع من خلالها استعادة السيطرة على بنغازي في ديسمبر 2017. وقد لاحقت هذه الكتيبة اتهامات بالاستيلاء على مبالغ نقدية هائلة قدّرت بملايين الدولارات من مبنى البنك المركزي في المدينة ويُقال إن هذه الأموال استُخدمت لتمويل توسيع نشاطات الكتيبة 106 وتحويلها إلى لواء عام 2018. وكان تقرير أممي قد أشار إلى تبخّر مبالغ قُدرت بقرابة 600 مليون دينار ليبي وقرابة 160 مليون دولار.
في أغسطس/آب 2025، عُيّن صدام نائباً للقائد العام للقوات المسلحة في شرق ليبيا، قبل أن يمنحه والده لقب القائد العام المكلف بالجيش الوطني الليبي في 27 آب أغسطس 2026 ما يعني أنه بإمكانه الآن أن ينوب عن والده إن اقتضت الحاجة.
كما تولى شقيقه خالد رئاسة الأركان العامة، بينما يرأس شقيقهما الثالث بلقاسم صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا.
وبهذا، توزّعت بين أبناء خليفة حفتر مناصب مؤثرة في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية.
وبحسب الكاتب الصحفي خالد الورتاني، فإن هذا الترتيب يعزز فرضية إعداد أحد أبناء حفتر لتولي دور أكبر مستقبلاً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن صدام حُسم بوصفه الخليفة الوحيد لوالده، خصوصاً مع وجود أكثر من مركز نفوذ داخل العائلة.
ويختلف هذا المسار، وفق تقديره، عن المشروع السياسي الذي ارتبط بسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي
وقال الورتاني: "أرى أن هذا المسار يختلف عن مشروع سيف الإسلام القذافي في نقطة أساسية، حيث يتحرّك صدام حفتر من داخل منظومة عسكرية وأمنية قائمة، بينما استند مشروع سيف الإسلام إلى الإرث السياسي لنظام والده ومحاولة استعادة شرعية شعبية. وبذلك فإن الأول (أي صدام) هو أقرب إلى خلافة داخل بنية سلطة قائمة، والثاني (أي سيف الإسلام) إلى مشروع عودة سياسية عبر إرث النظام السابق".
ويعني هذا الاختلاف أن صعود صدام حفتر يعتمد أساسا على قدرته على توسيع نفوذه داخل المنظومة العسكرية والأمنية التي بناها والده، وليس على إنشاء منظومة سياسية جديدة. لكن تعزيز موقعه داخل معسكر حفتر لا يعني بالضرورة حصوله على قبول سياسي في ليبيا.
نفوذ يتجاوز الدور العسكري
وفق قراءة المتحدث، امتد دور صدام حفتر إلى المشاركة في إدارة العلاقات السياسية والأمنية الخارجية، مع تعدد تحركاته واتصالاته مع أطراف إقليمية ودولية.
ويشيرذلك إلى سعي صدام حفتر إلى ترسيخ موقعه بوصفه أحد أبرز الفاعلين في مستقبل شرق ليبيا، بما يتجاوز دوره العسكري داخل هيكل القيادة الذي يرأسه والده.
غير أن اتساع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات التأثير نفسها في غرب البلاد، حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية وتوجد قوى سياسية وتشكيلات مسلحة ذات حسابات ومصالح مختلفة.
وفي هذا الإطار، تبرز الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة في مدينة الزاوية خلال أغسطس/آب 2026، لما قد يترتب عليها من تداعيات على إمدادات النفط والكهرباء، فضلاً عن المخاطر التي تطرحها على سلامة البنية التحتية الحيوية.
وكانت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، قد نشرت تقريرا بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحدثت فيه عن مزاعم تربط صدام حفتر بالهجمات، مشيرة إلى انعكاساتها المحتملة على محادثات توحيد المؤسسات الليبية، بما في ذلك التحركات المدعومة أميركياً والمسار التفاوضي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات، وفق تقارير تناولت الوقائع الميدانية.
وفي حديثه ليورونيوز، شدد خالد الورتاني على أن الاتهامات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة ما لم تدعمها أدلة موثوقة.
وقد نقل تقرير لصحيفة "ذا غارديان" عن مصادر في حكومة الوحدة الوطنية موقفاً متشدداً إزاء احتمال التعامل مع صدام حفتر على خلفية تلك المزاعم، مشيراً إلى انعكاسات القضية على جهود الوساطة السياسية. ويجعل ذلك توسيع نفوذه في شرق ليبيا مرتبطًا بقدرته على الحفاظ على قنوات التفاهم مع الأطراف السياسية في غرب البلاد، وتفادي أي تصعيد قد يعرقل هذه العلاقة.
خلافة ممكنة في الشرق.. لكن ماذا عن غرب ليبيا؟
يرى الورتاني أن انتقال موقع خليفة حفتر إلى نجله داخل البنية العسكرية الشرقية يظل احتمالاً مختلفاً عن قدرة صدام على التحول إلى قائد يحظى بقبول وطني شامل. فالسيطرة على مؤسسة عسكرية قائمة لا تمنح تلقائياً شرعية سياسية في بلد يعاني انقساماً في السلطة والمؤسسات.
ويحدد ثلاثة عوامل رئيسية ستؤثر في مسار صعوده: الحفاظ على تماسك القيادة العسكرية في الشرق، والتوصل إلى تفاهمات مع القوى المؤثرة في الغرب، والحصول على قبول إقليمي ودولي لا يتعارض مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
وتعني هذه العوامل أن مستقبل صدام لا يتوقف على ترتيبات الخلافة داخل الأسرة وحدها، إذ يتأثر أيضاً بقدرته على إدارة علاقات متشابكة مع أطراف لا تتفق بالضرورة على شكل السلطة المقبلة أو توزيع النفوذ في البلاد.
كما يطرح تولّي ثلاثة من أبناء حفتر مناصب قيادية احتمالين بشأن توزيع النفوذ داخل العائلة: أولهما تقاسم الأدوار تحت سلطة الأب، والثاني نشوء تنافس بينهم على مراكز القرار.
ولا يمكن حسم هذه المسألة استناداً إلى توزيع المناصب وحده، لكن الإجابة عنها ستكون مهمة لفهم كيفية إدارة مرحلة ما بعد خليفة حفتر، وما إذا كانت ستشهد انتقالاً منظماً للنفوذ أم إعادة ترتيب لموازين القوة داخل المعسكر الشرقي.
وبحسب الورتاني، فإن فرض قيادة صدام دون توافق وطني قد يؤدي إلى استمرار الانقسام بدلاً من تجاوزه. لذلك، فإن نجاحه في وراثة موقع والده داخل معسكره لا يعني بالضرورة نجاحه في بناء مشروع حكم يشمل ليبيا بأكملها.
تحركات خارجية لا تعني بالضرورة دعماً للخلافة
على المستوى الخارجي، يتعامل عدد من الأطراف الإقليمية والدولية مع صدام حفتر باعتباره فاعلاً مؤثراً في شرق ليبيا، لكن هذا التواصل لا يعني بالضرورة تأييد انتقال السلطة إليه أو الاعتراف به وريثاً سياسياً لوالده.
وأوضح الورتاني في تحليله أن حسابات هذه الدول ترتبط أساساً بمصالحها الأمنية والاقتصادية، وبموقع ليبيا في معادلات الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والهجرة غير الشرعية.
فبالنسبة إلى مصر، تظل حماية الحدود الغربية والحفاظ على استقرار شرق ليبيا من الاعتبارات الأساسية في التعامل مع القيادة هناك. ومن هذا المنطلق، قد تكون الأولوية لأي انتقال محتمل هي ضمان استمرارية الترتيبات الأمنية وتماسك المؤسسات العسكرية، لا دعم خلافة عائلية بحد ذاتها.
أما دولة الإمارات، التي ارتبطت بعلاقات وثيقة بمعسكر حفتر على مدى سنوات، فقد تنظر إلى صدام باعتباره امتداداً محتملاً لشراكة قائمة. لكن استمرار الاتصالات مع حكام شرق ليبيا لا يثبت وحده وجود قرار إماراتي بدعم توليه قيادة البلاد كلها.
وفي المقابل، يشير اتساع رقعة الاتصالات التركية مع جماعة حليفة حفتر إلى سعي أنقرة إلى التعامل مع مراكز النفوذ المختلفة في هذا البلد، بما يتيح لها حماية مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية هناك. ويرى الكاتب أن هذا الانفتاح لا ينبغي تفسيره تلقائياً بوصفه تأييداً لمشروع توريث صدام للسلطة.
كما أن استقبال قطر لنجل المشير خليفة حفتر ضمن اتصالات سياسية رفيعة المستوى لا يكفي، وفق تقديره، للاستنتاج بأن الدوحة تدعم توليه السلطة مستقبلاً.
أما الولايات المتحدة، فإن التواصل مع صدام حفتر يكشف اهتماماً بالتعامل مع أحد الفاعلين المؤثرين في شرق ليبيا، لكنه لا يشكل بحد ذاته اعترافاً به خليفة سياسياً لوالده. وينطبق الأمر كذلك على الدول الأوروبية التي تتأثر مواقفها باعتبارات استقرار ليبيا وأمن الطاقة والهجرة غير النظامية وتوحيد المؤسسات.
وبذلك، يظل التمييز ضرورياً بين التعامل الدبلوماسي مع شخصية تملك نفوذاً، وبين منحها دعماً سياسياً صريحاً لتولي السلطة. فقد تحافظ الأطراف الخارجية على علاقاتها بصدام من دون أن تلتزم مسبقاً بمستقبله السياسي أو بمشروع خلافته.