صباح الخير يا حكومة... ماذا تركتم للمواطن؟
ليخرج رئيس الحكومة، وزير المالية، وزير الاقتصاد الوطني، الهيئة العامة للبترول، جمعية حماية المستهلك، ويقولوا للشعب بوضوح: لماذا أصبحت جرة الغاز بهذا السعر؟ مئة شيكل للأسطوانة الواحدة، ومع بعض الموزعين تصل إلى 110 شواكل مع التوصيل، مئة شيكل مقابل أسطوانة غاز يحتاجها كل بيت، وليست سلعة كمالية يستطيع المواطن الاستغناء عنها.
المواطن يريد إجابة بسيطة وواضحة: كم تبلغ كلفة الأسطوانة فعليا؟ كم ثمن الغاز؟ وكم تكاليف الشحن والتأمين والتخزين والنقل والتوزيع؟ وكم الضرائب والرسوم؟ وكم هامش الربح؟ وأين يذهب الفرق؟.
يقال إن سعر طن الغاز عالميا يدور في حدود 150 إلى 180 دولارا، وإن الطن ينتج قرابة 83 أسطوانة، وبالحساب الأولي، فإن قيمة الغاز الخام في الأسطوانة لا تفسر وحدها وصول سعرها إلى مئة شيكل، نعم، هناك شحن وتأمين وتخزين ونقل وتوزيع وتكاليف تشغيل، لكن السؤال الذي نريد من الجهات الرسمية أن تجيب عنه بالأرقام هو: هل يمكن لكل هذه التكاليف أن تبرر هذا الفارق الكبير؟
ولماذا لا نرى كشفا رسميا واضحا لتكلفة الأسطوانة، من لحظة استيراد الغاز حتى وصولها إلى مطبخ المواطن؟ لماذا تبقى التسعيرة بالنسبة للمواطن رقما نهائيا، من دون أن يعرف كيف تشكل هذا الرقم؟
والأخطر من السعر الرسمي ما يحدث في السوق، فإذا كانت الحكومة قد حددت السعر بمئة شيكل، فمن يراقب الموزعين الذين يضيف بعضهم عشرة شواكل أخرى؟ ومن يراقب الأسعار؟ ومن يحمي المواطن من أن يدفع مرتين: مرة بسبب ارتفاع التسعيرة، ومرة بسبب غياب الرقابة؟
يُقدّر استهلاك الضفة الغربية بنحو 747 ألف أسطوانة غاز شهريا بوزن 12 كيلوغراما للأسطوانة، فإذا كانت الزيادة عشرة شواكل على الأسطوانة، فنحن نتحدث عن نحو 7 ملايين و470 ألف شيكل إضافية كل شهر، سبعة ملايين وأربعمئة وسبعون ألف شيكل فقط من أسطوانة الغاز المنزلية، فمن يدفع هذه الملايين؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يشرح للمواطن أسبابها؟ من جيبة المواطن تُجمع الملايين… فمن يملك الإجابة؟
في الأردن، يبلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلية من وزن 12.5 كيلوغرام نحو 30–35 شيكلا، بينما يدفع المواطن الفلسطيني 100 شيكل للأسطوانة ذات الاستخدام المنزلي، فهل أصبح المواطن الفلسطيني أغنى من المواطن الأردني؟ أم أن هناك تكاليف وضرائب ورسوما وهوامش ربح تستحق أن نعرفها بالتفصيل؟ نحن لا نريد مقارنات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل نريد مقارنة رسمية شفافة تضع المواطن أمام الحقيقة كاملة.
وإذا كانت اتفاقية باريس الاقتصادية لا تمنع السلطة الفلسطينية من تحديد أسعار غاز الطهي ضمن صلاحياتها ، فلماذا لا تُراجع هذه الأسعار؟ ما الذي يمنع تخفيض سعر الغاز؟ وما مقدار التخفيض الممكن فعليا؟ ولماذا لا تخرج الجهات المختصة إلى الناس وتشرح لهم بالأرقام بدل أن يبقى المواطن أسير التخمين والشائعات؟
المشكلة أن المواطن لا يعيش أزمة غاز فقط. هناك فقر وبطالة، ورواتب متأخرة أو غير مكتملة، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية، وأقساط جامعات، ودواء، وكهرباء، وماء، ومواصلات، ومحروقات، حتى الخبز أصبح ثقيلا على بعض البيوت، ثم تأتي جرة الغاز لتقول للمواطن: وأنا أيضا.
في السابق، كانت السياسات تقاس بقدرتها على دعم صمود المواطن، أما اليوم، فيبدو أن المواطن تُرك ليصمد وحده، بينما تتسابق الأسعار على اختباره، المواطن ليس ماكينة دفع، وليس مطلوباً منه أن يدفع كل فاتورة العجز والغلاء بصمت.
يا رئيس الحكومة، يا وزير المالية، يا وزير الاقتصاد الوطني، يا هيئة البترول، يا جمعية حماية المستهلك، وينكم؟ نريد أن نعرف: من يضع سعر الغاز؟ ومن يراقبه؟ ومن يراجع كلفته؟ ومن يحمي المواطن من الزيادة غير القانونية؟ لا نريد خطبا عن الظروف الصعبة؛ فالمواطن يعرف الظروف أكثر من الجميع، لأنه يدفع ثمنها كل يوم.
نريد شفافية، وأرقاما، وتسعيرة عادلة، ورقابة حقيقية، أما أن ترتفع الأسعار، ثم نطلب من المواطن أن يتحمل، فهذا ليس سياسة اقتصادية، هذا تحميل للمواطن فوق طاقته.
عمار يا بلد
وإذا كان سعر جرة الغاز قد وصل إلى مئة شيكل، فربما علينا أن نشكر أصحاب القرار على الإنجاز العظيم: ما زالت جلدة جرة الغاز مجانية! فلا تقلقوا، حتى لو وصلت الجرة إلى 150 شيكلا، ستبقى الجلدة مجانية.
ملاحظة مهمة: لسنا ضد شركات الغاز، ولا ضد التجار الذين يعملون وفق القانون، ولا نقول إن كل ارتفاع في السعر غير مبرر، لكننا نرفض أن يكون المواطن هو الطرف الوحيد الذي لا يملك حق السؤال، نريد كشف التكلفة الحقيقية، وإعلان الضرائب والرسوم وهوامش الربح، ومراجعة التسعيرة، ومراقبة الموزعين، وحماية الناس من أي زيادة غير قانونية، فالغاز ليس ترفا، بل حاجة أساسية في كل بيت.