"قبر نعمان".. بين هويتين (حقيقية ومصطنعة)
"قبر نعمان" أو "مقام النبي نعمان" هو مقام يقع أسفل محراب مسجد بزاريا القديم، ذلك المسجد الذي يتوسط البلدة القديمة لبزاريا.
أما المقام فله قصة مجهولة نسي كثير منها مع الزمن، بيد أن المستوطنين في المستوطنات المحاذية لقرية بزاريا غرب نابلس، أعادوا نبش تاريخ هذا المقام والسؤال عن صاحبه. بعدما جاءت مجموعة من المستوطنين قبل عدة أشهر يبحثون عن القبر ويلقون عليه النظرات، مع تخوفات لأهل القرية من مصادرته، أو هدمه وبناء كنيس يهودي عليه.
أما المستوطنون فيدعون أن "نعمان" ذلك القبر الموجود أسفل المسجد، يعود في الأصل إلى "نعمان بن لاوي بن يعقوب –عليه السلام-، وعند قراءة التوراة فنرى أن "نعمان" ذكر في سفر الملوك الثاني بأنه رجل آمن باليسع وقاتل معه، وشفاه اليسع –عليه السلام- بقدرة الله من مرضه.
ويبقى السؤال، كيف عرفوا أن هذا هو قبر نعمان بن لاوي، وليس قبر نعمان المذكور في سفر الملوك الثاني، أو قبر رجل عادي اسمه نعمان أو غيره؟
الجواب: لا دليل لديهم يثبت صحة كلامهم، فلا يوجد أي نص أو دليل أثري يثبت بأن من دفن في القبر اسمه "نعمان" إلا روايات أهالي القرية المسلمين، والذين جاء جلّهم إلى فلسطين بعد استرداد صلاح الدين لها. بل إن الحقيقة الصادمة تقول: إن القبر واتجاهه يدل على أن المتوفى داخل القبر هو "مسلم" وليس يهودياً أو مسيحياً أو أي ديانة أخرى.
أما القبر وما يحيطه من مقام فيبدوا عليهما حالة من الإهمال، إذ سعى جيران المسجد إلى إغلاقه منعاً للمستوطنين من العبث فيه وللحد من زيارتهم. كما أن حجارة المقام والبناء الذي فيه، فطريقة بنائه تعود إلى أواخر العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، إذ كانت تنتشر الطرق الصوفية بكثرة هناك، وكانوا يعدون أنفسهم أولياء لله، يذهبون إلى قمة جبل بعيد ويتعبدون الله في تلك الخلوة حتى يموتوا، ثم يعمد أبناؤهم أو طلابهم إلى بناء مقام عليه. ثم يتوافد الناس لزيارته وتقديم النذور والذبائح أمام قبورهم؛ لأنهم من أولياء الله الصالحين. وهذا ما حدث مع نعمان الذي اعتكف ومات على قمة هذا الجبل.
أما مسجد بزاريا القديم، فقد بني فوق المقام، إذ أنه بني في عام 1316 هجري أي في زمن السلطان عبد الحميد الثاني؛ وسبب بناءه كما أعتقد أنه يعود لخدمة المسافرين وخاصة أنه قريب من محطة المسعودية، وسكة القطار الذي يمر من أراضي قرية بزاريا، والمسجد عبارة عن مستطيل مكون من ثلاثة عقود، جدد أكثر من مرة آخرها عام 2022م لكنه محافظ على واجهته الخارجية التي عليها لوحة التعريف، وعلى شكل العقود من الداخل مع أن عقوده قُصِّرت ودُهنت واختفى بريق حجارتها القديمة. وعندما بني المسجد القديم، كانت هناك فتحة من المسجد على القبر ينزل إليه الزائرون بالسلم، وكان المقام عليه أشرطة خضراء كانت تستعمل في الطقوس الصوفية، كلها أزيلت الآن، وأغلقت تلك النافذة مع التحديثات الجديدة، وربما يطمس المقام بعد ذلك فمن يدري!
هذه قصة قبر عرف باسم صاحبه "نعمان" العابد الصوفي الذي تداول قصته أهل بزاريا، وقصة أخرى مصطنعة يسعى الاحتلال ومستوطنوه إلى ترويجها لاحتلال أماكننا التاريخية والدينية والعبث فيها؛ وادعاء أحقيتهم في بلاد ضموها بالدم، وسرقوا خيراتها بالقوة والسلاح.