نقص المستلزمات يجبر المرضى على الخلع بدل العلاج
غزة - أرض الإخبارية
تتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة لتطال أدق تفاصيل الحياة اليومية، حيث باتت خدمات طب الأسنان ترفاً لا يستطيع غالبية السكان الوصول إليه، وفي ظل الحصار الإسرائيلي المشدد ونقص المستلزمات الطبية، يجد آلاف المرضى أنفسهم مخيرين بين تحمل الآلام المزمنة أو اللجوء إلى خلع أسنانهم كحل أخير وأقل كلفة.
وتشير تقارير ميدانية وشهادات لأطباء ومرضى إلى أن هذا القطاع الصحي تضرر بشكل كارثي خلال الأشهر الماضية، فقد أدى تدمير العيادات واستشهاد الكوادر الطبية ومنع دخول الأجهزة اللازمة إلى شلل شبه تام في الخدمات العلاجية المعتادة، مما حول العيادات المتبقية إلى مراكز للطوارئ فقط.
الشابة نور أبو شمالة، النازحة من جباليا، تمثل نموذجاً لهذا الواقع المرير، حيث تعاني من آلام حادة في سنها الأمامي منذ أشهر، ورغم أن طبيبها أكد إمكانية إنقاذ السن عبر علاج الجذور، إلا أن التكلفة التي تصل إلى 100 دولار حالت دون ذلك، في وقت تعيش فيه أسرتها على المساعدات المحدودة.
تؤكد أبو شمالة أن فقدان سنها الأمامي سيؤثر بشكل كبير على ثقتها بنفسها وقدرتها على التواصل مع الآخرين، فضلاً عن الصعوبات الوظيفية في تناول الطعام، وقد أدى إفراطها في تناول المسكنات لتعويض غياب العلاج إلى إصابتها بالتهابات في المعدة، وفق تشخيص عيادات وكالة 'أونروا'.
وفي دير البلح، اضطر أحمد أبو دان، الذي يعمل بائعاً بسيطاً، إلى خلع أحد أضراسه بعد عجز تام عن توفير مبلغ 145 دولاراً لعلاجه، واختار الخلع بتكلفة لا تتجاوز 10 دولارات، مستديناً المبلغ من صديق له، في إشارة واضحة إلى عمق الفقر الذي خلفته الحرب.
من الناحية النقابية، كشف عرفان اشتيوي، رئيس نقابة أطباء الأسنان في المحافظات الجنوبية، عن أرقام صادمة تتعلق بحجم الدمار، وأوضح أن الغارات الإسرائيلية دمرت نحو 80% من العيادات بشكل كلي أو جزئي، فيما فقدت النقابة أكثر من 100 طبيب استشهدوا منذ بداية العدوان.
وتواجه العيادات التي لا تزال تعمل تحديات لوجستية هائلة، أبرزها انقطاع التيار الكهربائي المستمر وعدم توفر المياه الصالحة للاستخدام الطبي، كما تعاني هذه المراكز من نقص حاد في مواد التعقيم الأساسية، مما يرفع مخاطر انتقال العدوى بين المرضى في ظل هذه الظروف القاسية.
بدوره، أشار أسامة جابر الشنطي، العميد السابق لكلية طب الأسنان بجامعة فلسطين، إلى أن سلطات الاحتلال تمنع دخول المستلزمات الضرورية.
وتدرج إسرائيل معظم مواد حشو وعلاج الأسنان تحت تصنيف "المواد ذات الاستخدام المزدوج"، وهو ما يعتبره الأطباء ذريعة لتقييد العمل الطبي.
وقد انعكس هذا المنع على الأسعار بشكل غير مسبوق، حيث ارتفع سعر حقنة الراتنج المستخدمة في الحشوات بنسبة تصل إلى 1500%.
هذا الارتفاع الجنوني جعل تكلفة الحشوة الواحدة تتجاوز قدرة الموظف العادي، فكيف بمن فقد مصدر رزقه بالكامل جراء الحرب والنزوح المستمر.
ويحاول بعض الأطباء، مثل الدكتور الشنطي، تقديم العلاج بأسعار مخفضة اعتماداً على مخزون قديم لديهم، إلا أن هذا المخزون في طريقه للنفاذ.
وتوقفت معظم العيادات عن إجراء العمليات التجميلية أو التركيبات المعقدة مثل الجسور وزراعة الأسنان، لتركيز الجهود على تسكين الآلام فقط.
وفي قطاع المختبرات، حذر أيمن الشبروي من إغلاق ما تبقى من مختبرات الأسنان في غزة بسبب منع دخول المواد الخام، وقد اضطر الشبروي بالفعل إلى تسريح ثلثي العاملين لديه، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي يعني توقف صناعة البدائل السنية بشكل نهائي في القطاع.
الأطفال لم يسلموا من هذه المعاناة، حيث كشفت فحوصات أجريت في مخيمات النزوح عن انتشار واسع لتسوس الأسنان بين الصغار، ويزيد سوء التغذية الحاد ونقص الكالسيوم من تدهور صحة الفم والأسنان لدى الجيل الناشئ، في ظل غياب كامل لبرامج الوقاية أو الفحص الدوري.
وتؤكد الطبيبة وردة شعث من خان يونس أن 90% من مراجعيها يطلبون الخلع الفوري هرباً من التكاليف الباهظة للحشوات، وتروي قصصاً مبكية لنساء فقدن أسنانهن جراء القصف، ولا يملكن القدرة المالية لترميم وجوههن، مما يترك آثاراً نفسية عميقة لا تقل عن الآلام الجسدية.
ويبقى أطباء الأسنان في غزة بانتظار فتح المعابر والسماح بدخول الإمدادات الطبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويؤكد هؤلاء أن مهنتهم تحولت من تقديم الرعاية الصحية إلى محاولة إدارة الألم بأقل الإمكانيات، في ظل صمت دولي تجاه استهداف المنظومة الصحية المتكاملة في القطاع.