عندما يصبح مستقبل الأطفال آخر ما يُحاسَب عليه المسؤول
في البلدان التي تحترم مستقبلها، يبدأ الإصلاح من المدرسة.
أما في البلدان التي تتراكم فيها الأزمات فوق الأزمات، فيصبح التعليم هو الحلقة الأضعف، والطفل هو أول من يُطلب منه أن يتأقلم مع كل تغيير، وآخر من يُسأل عن رأيه.
الفلسطيني اليوم لا يعيش أزمة تعليم فقط.
إنه يعيش أزمة ثقة.
ثقة تآكلت مع السنوات، حتى أصبح المواطن يستقبل أي قرار جديد بالسؤال قبل التصفيق، وبالقلق قبل الاطمئنان.
وليس لأنه ضد التطوير، بل لأن التجارب السابقة علّمته أن كثيراً من القرارات تُفرض عليه، بينما هو وحده من يدفع ثمن نتائجها.
منذ سنوات، يعيش الفلسطيني بين الأزمات.
يقف في طوابير الحواجز التي يفرضها الاحتلال.
ويقف في طوابير المعابر بانتظار حقه في السفر.
ويقف في طوابير الوقود كلما ظهرت أزمة جديدة.
ويقف في طوابير البنوك ينتظر راتباً لا يعرف متى يأتي ولا كم سيبلغ.
وفي غزة، يقف الناس في طوابير التكايا ومراكز توزيع الطعام، ينتظرون وجبة تحفظ لهم الحد الأدنى من الحياة.
وفي كل مرة، يُطلب من المواطن أن يتحمل، وأن يصبر، وأن يثق.
لكن الثقة لا تُطلب.
الثقة تُبنى.
وحين تغيب الشفافية، وتتكرر الأزمات، ويصبح تفسير كل أزمة أكثر غموضاً من الأزمة نفسها، فمن الطبيعي أن يبدأ الناس بالتشكيك، وأن يطرحوا الأسئلة.
وعندما يصل هذا الشعور إلى ملف التعليم، يصبح الأمر أكثر خطورة.
لأن التعليم ليس مشروعاً يمكن إصلاحه بعد أشهر إذا أخطأنا.
نتائج القرار التعليمي لا تظهر في مؤتمر صحفي، ولا في نهاية العام المالي، بل تظهر بعد سنوات طويلة، عندما يصبح أطفال اليوم شباباً يحملون ما تعلموه معهم إلى الجامعات وسوق العمل والحياة.
وعندما تظهر النتائج، يكون من اتخذ القرار قد غادر منصبه، وانتقل إلى وظيفة أخرى، أو تقاعد، أو أصبح خارج دائرة المساءلة.
أما الجيل الذي عاش التجربة، فلا يستطيع استعادة سنواته.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول التعليم إلى حقل تجارب.
ليس لأن التكنولوجيا مرفوضة.
وليس لأن التطوير خطأ.
بل لأن التطوير الحقيقي يبدأ ببناء المدارس، وتأهيل المعلمين، وتوفير البنية التحتية، وفتح نقاش وطني حقيقي، ثم الانتقال التدريجي إلى أي نموذج جديد.
أما أن يُطلب من المجتمع أن يثق دون أن يرى الدراسات، ودون أن يعرف أسباب القرار، ودون أن يشارك في صياغته، فذلك لا يصنع إصلاحاً، بل يصنع مزيداً من القلق.
والمشكلة أن هذا القلق لا يولد من التعليم وحده.
إنه نتيجة تراكم طويل.
تراكم من الأزمات الاقتصادية.
ومن تراجع الخدمات.
ومن الغموض الذي يرافق كثيراً من القرارات.
ومن غياب المحاسبة الواضحة عندما تقع الأخطاء.
ومن شعور شريحة واسعة من المواطنين بأن صوتها لا يُسمع إلا بعد أن تتحول المشكلة إلى أزمة عامة.
لا يمكن تحميل الاحتلال مسؤولية كل خلل داخلي.
فالاحتلال مسؤول عن منظومة واسعة من القهر والسيطرة والتضييق على حياة الفلسطينيين، وهذا واقع لا يمكن إنكاره.
لكن ذلك لا يعفي أي مؤسسة فلسطينية من واجب الإدارة الرشيدة، ولا من الشفافية، ولا من المساءلة، ولا من حماية المال العام، ولا من تقديم تفسير واضح للناس عندما تتخذ قرارات تمس حياتهم ومستقبل أبنائهم.
الوطن لا يُبنى فقط بالصمود في وجه الاحتلال.
بل يُبنى أيضاً بمؤسسات نظيفة، وإدارة كفؤة، وقانون يُطبق على الجميع، وقرارات تُتخذ بعقل الدولة، لا بمنطق ردود الأفعال أو إدارة الأزمات.
فإذا كان المواطن مطالباً كل يوم بأن يصبر على الاحتلال، وعلى الحواجز، وعلى الأزمة الاقتصادية، وعلى تأخر الرواتب، وعلى غلاء المعيشة، وعلى طوابير الوقود، فليس كثيراً أن يطالب في المقابل بحق بسيط:
أن يعرف.
أن يفهم.
وأن يرى من يتحمل المسؤولية إذا أخطأ.
لأن المسؤول الذي يوقع قراراً اليوم، لن يعيش نتائجه كما سيعيشها طفل في الصف الأول.
الطفل سيحمل أثر القرار معه طوال حياته.
أما صاحب القرار، فقد يغادر منصبه قبل أن تبدأ النتائج بالظهور.
ولهذا فإن التعليم ليس ملفاً إدارياً عادياً.
إنه أمانة تُسلَّم من جيل إلى جيل.
وإذا أُدير بمنطق التجربة، أو بمنطق الأزمات، أو بعيداً عن الشفافية والمساءلة، فإن الخسارة لن تكون كتاباً أُلغي، أو منهاجاً عُدّل، أو قراراً استُبدل.
الخسارة ستكون جيلاً كاملاً.
وحين يخسر الوطن جيلاً…
لا توجد ميزانية تستطيع تعويضه، ولا بيان صحفي يستطيع تبرير