نابلس القديمة: حِرفٌ في طريقها للاندثار
في زوايا المدن القديمة، لا تزال بعض المهن تصمد بصمت، رغم تبدّل الزمن وتسارع التكنولوجيا. مهن كانت يومًا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، باتت اليوم تحاول البقاء في وجه التراجع الاقتصادي وتغيّر أنماط الاستهلاك بين “الكوى”، و”طباعة المفاتيح”، و”صناعة القباقيب”، قصص تختصر تحوّلات مهنية واقتصادية عميقة.
الحاج صادق المشتاوي (أبو أيمن)، صاحب محل طباعة المفاتيح، يروي تاريخ مهنته التي تعود إلى “أيام الإنجليز”، حيث ورثها عن والده وتسلّم إدارتها رسميًا بعد عام 1967. عمل على طباعة لوحات المركبات الأردنية والإنجليزية والإسرائيلية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى إنتاج “النمر الفلسطينية” مع قدوم السلطة، والتي لا يزال العمل عليها مستمر حتى اليوم.
لكن، وعلى الرغم من هذا الامتداد التاريخي، يؤكد أن الواقع الاقتصادي تغيّر جذريًا، قائلاً: “زمان كنت إذا اشتغلت بدينار تطعمي عيلة كاملة، اليوم إذا اشتغلت بـ30 دينار ما بتكفي حالك” ويضيف أن المهنة نفسها لم تعد كما كانت، فالمفاتيح القديمة التي كانت تُنجز يدويًا “على النور” استُبدلت اليوم بأخرى حديثة تعتمد على الماكينات، بينما يقتصر عمله حاليًا على الطباعة العادية وسط دخل يومي بالكاد يغطي التكاليف الأساسية.
وفي مهنة أخرى، يقف وليد خضير، صانع القباقيب في نابلس، شاهدًا على تراجع حاد في الطلب يعمل في هذه الحرفة منذ أكثر من 50 عامًا، لكنه يصف واقعها اليوم بأنه “شبه متوقف”، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة يشير إلى أن كل بيت كان في الماضي يملك عدة أزواج من القباقيب، بينما اليوم لم تعد هذه الصناعة تحظى بالاهتمام ذاته، قائلاً: “الشغل اختلف بين زمان واليوم كثير”.
أما في محل “الكوى”، فيواصل موسى الهندي عمله الذي بدأه منذ عام 1967، محافظًا على أسلوب تقليدي يجمع بين الغسيل والكوي اليدوي، بعيدًا عن خدمات “الدراي كلين” الحديثة يوضح أن فكرته قائمة على تنظيف القطعة وكويها بعناية، ما يجعل أسعاره أعلى نسبيًا، لكنه يتمسك بجودة الخدمة. ورغم التحديات الاقتصادية، يؤكد تمسّكه بالمهنة: “ما في فكرة نسكر، رح نضل، هذا المحل إلنا ولأولادنا كمان”.
تعكس هذه المهن الثلاث جانبًا مهنيًا عريقًا، لكنه يواجه تحديات اقتصادية متزايدة، بين تراجع الدخل وارتفاع التكاليف، إلى جانب تغيّر احتياجات السوق وبين الإصرار على الاستمرار والحنين إلى الماضي، تبقى هذه الحرف شاهدًا حيًا على زمن مختلف، وعلى أصحاب مهن لا يزالون يتمسكون بما تبقى من إرثهم .
المصدر: الاقتصادي