مستنقعات النزوح تبتلع الطفولة.. حكاية الجلود المتقيحة خلف أسوار غزة
خانيونس- خاص – أرض نيوز
كتب: بهاء عبد الله
في قلب منطقة المواصي غربي خان يونس، حيث لا تستر الخيام المتهالكة وجع الساكنين، تجلس الصغيرة «فاطمة» ذات السنوات الخمس، ترقب جلدها الرقيق وهو يتقرح ويتساقط كأوراق الخريف الدامية، بينما تعجز يدا أمها «أم محمد» عن فعل شيء سوى غسل تلك القروح بماء ملوث تفوح منه رائحة الموت والخذلان. هذا المشهد ليس مجرد عابر، بل هو لسان حال 50% من سكان مراكز النزوح الذين نهشت الأمراض الجلدية أجسادهم، في وقت باتت فيه 80% من الخيام مرتعاً لآفات تتسلل كالثعابين عبر تصدعات الصرف الصحي المنهار تماماً، لتطرح سؤالاً مرّاً: كيف تحول قطاع غزة، أرض الصمود، إلى كابوس جلدي ينهش وجوه الأطفال قبل أن تبتلعهم أنياب الجوع؟
«أرض نيوز» تغوص في هذا الجرح الدامي الذي يئن تحت وطأة الصمت الدولي، حيث يعصف الانفجار الوبائي بالجلود المتشققة، تزامناً مع قفزة جنونية في أسعار السلع الأساسية بلغت 300% خلال أبريل الجاري، مما جعل أبسط سبل النظافة ترفاً بعيد المنال. وتنفجر هذه الأمراض كالنار في الهشيم، حيث تتجمع المياه الراكدة في أزقة المخيمات كبحيرات قذرة تفوح منها رائحة الإبادة والحصار، فتلتهم «القوباء» جلود الصغار، وتحرق «الأكزيما» أجسادهم كالجمر المتقد، بينما تتغلغل الالتهابات في اللحم الحي نتيجة الدخان السام المنبعث من حرق النفايات للطبخ، لتتحول الخيام إلى سجون من الحشرات والسموم.
ويرتفع منحنى الفاجعة كالسكين في الظهر؛ فبعد أن كانت الإصابات 30% في يناير الماضي، وصلت اليوم إلى نصف السكان، في ظل افتقار 90% من مراكز النزوح لأدنى المعايير الإنسانية، وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة (OCHA) الصادرة مطلع هذا الشهر، بعد نحو ستة أشهر من سريان هدنة هشة لم تسمن ولم تغنِ من جوع. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي دموع الأمهات وأنين الأطفال الذين يفقدون براءتهم في بحر من القيح والألم اليومي الذي لا ينتهي.
داخل مستشفى ناصر بخان يونس، يصف الدكتور أحمد الشريف الواقع الوبائي الجلدي بكلمات تدمي القلب، مؤكداً أن غرف الطوارئ باتت مكتظة بأطفال يئنون كالجرحى في ساحة معركة خفية، دون توفر مضادات حيوية لإنقاذهم.
وتروي «أم محمد» بمرارة كيف فقدت طفلها بعد أسبوعين من العذاب، حيث «احترق جلده كالورق» بفعل أبخرة البلاستيك المحروق، وتأخر الدواء حتى فارق الحياة. وفي الشيخ رضوان، غربي مدينة غزة، يروي النازح «علي أبو هاشم» كيف سالت مياه الصرف الصحي داخل خيمته كالسم، لتتسلل الآفات ليلاً وتأكل أجسادهم وهم نيام. هذه الشهادات تؤكد أن 60% من الضحايا هم أطفال يعيشون كابوساً يتغذى على لحمهم الحي.
تعود جذور هذا الانهيار إلى تدمير 70% من شبكات الصرف الصحي عمدًا من قبل الاحتلال خلال عامي الإبادة، مما أغرق غزة في مستنقع تشرق فيه الشمس على جبال من النفايات السوداء. ويفاقم الحصار الإسرائيلي المشهد بقطع 60% من المساعدات، ليصبح الصابون يباع بثمن الذهب، وتتحول الكثافة السكانية في الخيام إلى قنبلة موقوتة تفجر الأوبئة بلا رحمة، حيث يختنق الجلد والرئتان في صمت مدوٍ، كما حذر المسؤولون الدوليون من «قنبلة ساعة» يغرق انفجارها الجميع، ليصبح الوجع الجلدي مجرد امتداد لحرب تنهش الأجساد الضعيفة.
أمام هذا الدمار الشامل، تبرز الحلول كصرخة في وادٍ؛ فلا بديل عن فتح ممرات إنسانية فورية لإدخال الأدوية وإصلاح البنية التحتية، مع ضرورة تحرك الصليب الأحمر لبناء وحدات صحية وتوزيع المنظفات قبل فوات الأوان، فيما تواصل الأمم المتحدة التأكيد أن الوقت ينفد، وأن أوبئة قادمة تهدد مليوني روح إذا لم يتحرك الضمير العالمي. وسبق وحذر توم فليتشر، وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أمام منتدى الاقتصاد العالمي (دافوس)، في 18 يناير الماضي: «الوضع خطير للغاية، يجب فتح جميع المعابر الستة المؤدية إلى قطاع غزة فورًا قبل تفشي الأوبئة».
حقائق النزيف الإنساني
يستمر عداد الموت في غزة بحصد الأرواح رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، حيث تجاوز إجمالي الشهداء 72.549 شهيدًا حتى 18 أبريل 2026، وفقًا لإحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية، معظمهم من النساء والأطفال الذين قضوا بين قصف إسرائيلي مباشر وموت بطيء بالأمراض. هذا الواقع المرير يعززه انهيار اقتصادي رفع سعر الصابونة من 2.5 شيكل قبل الحرب، إلى 70 شيكل في أسواق النزوح اليوم، وحوّل وفيات الأطفال إلى روتين يومي بنسبة زيادة بلغت 25% بسبب العدوى الجلدية غير المعالجة.
وتتوزع خارطة هذا الوجع الجلدي لتتصدر خان يونس بنسبة 30% من الإصابات، تليها دير البلح والمغازي بنسبة 25%، ثم جباليا بنسبة 20%، والشمال الشرقي بنسبة 15%، حيث تتحول الخيام في كل زاوية إلى مقابر حية لأجساد لم يعد يسترها سوى الجلد المتشقق.
وفي الختام، تبقى تلك اليد الصغيرة المغطاة بالقروح، والتي امتدت نحو كاميرا «أرض نيوز» في خان يونس، صرخة بوجه العالم الأخرس: «أنقذوني!»، فغزة لا تنزف دماً فقط، بل تذوب أجساد أطفالها تحت الرماد، بانتظار يد إنسانية تمسح وجع الأمة قبل أن يبتلع الصمت ما تبقى من أرواح.