منجلٌ صدئ يصرخ تحت الركام..
غزة في يوم العمال العالمي: احتفالٌ على وقع إبادة الاقتصاد!
غزة: أرض الإخبارية
بهاء عبدالله
في ساحةٍ يتصاعد منها غبار الركام والذكريات، وقف الستينيّ «أبو العبد» رافعًا يده التي شققتها قسوة الأيام. لم يكن يحمل رايةً ملونة، بل «منجلاً زراعيًا علاه الصدأ»، رفعه عاليًا أمام شمس غزة الشاحبة، كأنه يشهر وثيقة إدانة ضد عالمٍ قرر أن يحتفل بالعمل بينما تُذبح الأرزاق في مدينته. كان المنجل الصدئ يختزل الحكاية كلها؛ أرضٌ مُصادرة، ومصانعُ سُوّيت بالأرض، ومهنٌ لم يتبقَ منها سوى أسماء في سجلات النازحين.

صرخة الحق في العمل
تحت ظلال خيامٍ مهترئة ومنشآت مؤقتة نُصبت على عجل، تجمع عشرات العمال والعاملات في الساحة المقابلة لـ «مركز التضامن الإعلامي» غربي مدينة غزة. المشهد كان لوحةً سريالية؛ لافتات ورقية كُتبت بخط اليد تطالب ببديهيات الحياة: «من حقنا أن نعمل بكرامة»، «أين الحماية الدولية لعمال غزة؟».

إبادةُ الاقتصاد الشاملة
يصف «إلياس جلدة»، عضو اللجنة التنفيذية في «الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين»، المشهد بأنه «عملية إبادة شاملة» لا تستهدف البشر فحسب، بل تجتث كل مقومات وجودهم. وبنبرةٍ ملؤها الأسى، يقول جلدة: «إننا نرى اليوم أن الوضع قد انحدر نحو كارثة إنسانية محققة؛ الاقتصاد الفلسطيني يتعرض لعملية تدمير ممنهجة».

يوجه جلدة رسالته عبر «أرض الاخبارية» إلى الضمير العالمي: «إن كنتم صادقين في ادعاء الإنسانية، فلا يمكن قبول هذه الجريمة التي استهدفت البشر والحجر. على العالم التدخل لوقف هذه الحرب المسعورة والبدء بإعادة الإعمار».
بطالةٌ بطعم الموت
من جانبه، يرسم «نضال غبن»، مدير «مركز الديمقراطية وحقوق العاملين في غزة»، صورةً أكثر قتامة لواقع الطبقة العاملة. فبينما يتبادل عمال الأرض التهاني، يعيش عمال غزة فصولاً من «حرب الإبادة» التي أفقدتهم كل سبل العيش.
يقول غبن لـ«أرض الاخبارية»: «لقد بلغت نسبة البطالة في القطاع أكثر من 90%، وحتى القلة القليلة التي تجد عملاً، فإنها تزاوله في ظروف محفوفة بالمخاطر، حيث يلاحقهم المطر والرصاص والقذائف، ما قد يؤدي إلى استشهادهم أو إصابتهم في أي لحظة».

وجعُ الضمير الغائب
وفي الناحية القانونية التي تغيب نصوصها أمام فظاعة الواقع، يتحدث المحامي علي الجرجاوي من «مركز الديمقراطية وحقوق العاملين في فلسطين»، واصفًا المفارقة المؤلمة بين «العالم وغزة».
يقول الجرجاوي لـ«أرض الاخبارية»: «يعلم الجميع أن يوم العمال هو يوم عالمي للراحة والاحتفال، لكن الواقع في غزة مرير ومغاير تمامًا؛ فالعامل هنا لا يحتفل بل يصرخ من شدة الألم والوجع». ويضيف بمرارة: «المنشآت أصبحت ركاماً، والعامل الفلسطيني محاصر في لقمة عيشه، بينما تُنهب أرضه وتُسلب مقدراته».

أمنية العامل البطل
انتهت الوقفة، لكن صدى صوت المنجل الصدئ لا يزال يتردد في أزقة مخيمات النزوح. في غزة، لم يعد «عيد العمال» مناسبةً للراحة من عناء العمل، بل أصبح ذكرى سنوية لما فُقد؛ للمصنع الذي صار ركامًا، وللحقل الذي صار مقبرة، ولليد التي كانت تُعمر فصارت تمتد لطلب الطحين.
في الأول من مايو 2026، تبرق غزة للعالم برسالةٍ وحيدة: «العامل الذي لا يجد عملاً، لا يحتاج لخطابات، بل يحتاج لأن يتوقف العالم عن مراقبة موته بصمت». بين الركام والخيام، يبقى العامل الفلسطيني هو «البطل التراجيدي» الذي يحاول لملمة بقايا حياته، في انتظار يومٍ يكون فيه العمل «حقًا» لا «أمنية» مستحيلة.