من الاقتصاد الخدمي إلى الاقتصاد المنتج لماذا تحتاج فلسطين إلى اقتصاد مقاوم واقعي؟
لم تعد المسألة الاقتصادية في فلسطين سؤالاً عن النمو وحده، ولا عن حجم المساعدات، ولا عن قدرة المجتمع على الاحتمال فقط. السؤال الأعمق اليوم هو: هل يمتلك الفلسطينيون قاعدة إنتاجية قادرة على الصمود تحت الضغط؟ فاقتصاد لا ينتج غذاءه بالقدر الكافي، ولا يطور صناعته، ولا يحمي منشآته الصغيرة، ولا يوجه تمويله نحو الإنتاج، يبقى اقتصاداً هشّاً، حتى لو استطاع أن يتعايش مع الأزمات مؤقتاً.
من هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الاقتصاد المقاوم. فليس المقصود به اقتصاداً شعاراتياً أو خطاباً عاطفياً عن الصمود، بل اقتصاداً واقعياً قابلاً للقياس والتطبيق؛ اقتصاداً يخفف التبعية، ويوجه المال إلى الإنتاج، ويحمي الأرض والعمل، ويمنح الزراعة والصناعة والطاقة والمشاريع الصغيرة مكانتها في البناء الوطني.
أرقام تكشف عمق الأزمة
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية إلى أن الاقتصاد الفلسطيني بقي في حالة ركود عميق خلال عام 2025؛ فرغم تسجيل زيادة حسابية قدرها 4% مقارنة بعام 2024، فإن الناتج المحلي الإجمالي ظل أقل بنسبة 24% من مستواه في عام 2023. كما سجل الناتج المحلي في قطاع غزة تراجعاً حاداً بلغ 84% مقارنة بعام 2023، بينما تراجع في الضفة الغربية بنسبة 13% خلال الفترة نفسها.
هذه الأرقام لا تعبر فقط عن أزمة عابرة، بل تكشف عن خلل أعمق في بنية الاقتصاد. فالمصدر نفسه يصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه اقتصاد خدمي، حيث تشكل الخدمات نحو 60% من الاقتصاد، في حين تشكل القطاعات الإنتاجية الداعمة للنمو حوالي 19% فقط. وهذا يعني أن القاعدة التي يفترض أن تحمل الصمود الاقتصادي، أي الزراعة والصناعة والإنشاءات والطاقة والإنتاج المحلي، ما زالت أضعف من أن تتحمل وحدها صدمات الاحتلال والحصار والإغلاق وتقلبات التمويل.
إن خطورة هذا الواقع تظهر أكثر عند النظر إلى القطاعات. فخلال عام 2025، مقارنة بعام 2023، سجل نشاط الإنشاءات أعلى تراجع بنسبة 41%، بواقع 29% في الضفة الغربية و99% في قطاع غزة، لتبلغ قيمته 296 مليون دولار. كما تراجع نشاط الصناعة بنسبة 25%، بواقع 21% في الضفة و94% في غزة، ليصل إلى 1,155 مليون دولار. وتراجع نشاط الزراعة بنسبة 18%، حيث بقي ثابتاً في الضفة تقريباً وتراجع بنسبة 92% في غزة، ليصل إلى 686 مليون دولار.
هذه ليست مجرد مؤشرات اقتصادية جامدة؛ إنها خريطة للوجع الفلسطيني. فعندما تتراجع الصناعة، تتراجع فرص العمل والقيمة المضافة. وعندما تتراجع الزراعة، يتراجع الأمن الغذائي. وعندما تنهار الإنشاءات، يصبح الإعمار نفسه معلقاً على الخارج. وعندما تبقى الخدمات هي الوزن الأكبر في الاقتصاد، يصبح المجتمع أكثر عرضة للصدمات، لأن الخدمات غالباً ما تعتمد على حركة السوق والدخل والإنفاق العام والمساعدات، بينما الإنتاج الحقيقي يبني قدرة أعمق على البقاء.
من الصمود إلى القدرة الإنتاجية
لذلك، فإن الاقتصاد المقاوم الواقعي يجب أن يبدأ من سؤال بسيط: ماذا نستطيع أن ننتج؟ وليس فقط: كيف نصمد؟ فالصمود دون إنتاج قد يتحول إلى انتظار طويل، أما الإنتاج فهو الذي يحول الصمود إلى قدرة. والزراعة هنا ليست قطاعاً تقليدياً فقط، بل هي خط دفاع اقتصادي واجتماعي. والصناعة ليست مجرد معامل، بل هي استقلال نسبي في القرار الاقتصادي. والطاقة الشمسية ليست مشروعاً بيئياً فقط، بل أداة لتقليل كلفة الإنتاج والاعتماد. والمشاريع الصغيرة ليست هامشاً، بل قاعدة اجتماعية واقتصادية واسعة يمكن أن تحمل جزءاً كبيراً من عبء التشغيل المحلي.
المنشآت الصغيرة في قلب المعركة الاقتصادية
لقد أظهرت نشرة معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” لشهر كانون الأول/ديسمبر 2024 أن الإنتاج المحلي لمنشآت القطاعين الخاص والأهلي في فلسطين انخفض بنحو 55% خلال أول ثلاثة أرباع عام 2024، وأن 54% من المنشآت الصناعية في قطاع غزة دُمّرت، وأن 67.6% من الأراضي الزراعية في غزة تضررت. وهذه الأرقام تؤكد أن المعركة الاقتصادية ليست فقط في ميزانية الحكومة أو أرقام الناتج المحلي، بل في بقاء الورشة والمزرعة والمصنع والتعاونية والمنتج الصغير.
هنا تبرز أهمية الانتقال من اقتصاد “الاستهلاك والصمود” إلى اقتصاد “الإنتاج والصمود”. فليس كافياً أن ندعو الناس إلى شراء المنتج الوطني، إذا لم نجب عن أسئلة الجودة والتكلفة والتمويل والتسويق والحماية القانونية. وليس كافياً أن نطالب المزارع بالبقاء في أرضه، إذا لم نوفر له تمويلاً مناسباً، ومياهاً، وتسويقاً، وتأميناً زراعياً، وحماية من المخاطر. وليس كافياً أن نمتدح المشاريع الصغيرة، إذا بقيت محاصرة بين كلفة الطاقة، وضعف التمويل، وصعوبة الترخيص، ومحدودية الأسواق.
التمويل الإسلامي كأداة إنتاجية
وهنا تحديداً يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يقدم إضافة عملية، إذا خرج من دائرة الخطاب العام إلى دائرة الأدوات. فالتمويل الإسلامي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في تمويل الاستهلاك أو شراء السلع الجاهزة، بل يجب أن يتحول إلى تمويل إنتاجي. يمكن لصيغة السلم أن تخدم الزراعة عبر تمويل المحاصيل قبل الحصاد. ويمكن لصيغة الاستصناع أن تخدم الصناعة والإعمار عبر تمويل بناء الورش والمخازن والمساكن والمنشآت. ويمكن لصيغة الإجارة أن تمول المعدات الزراعية والصناعية وأنظمة الطاقة الشمسية. ويمكن لصيغ المشاركة والمضاربة أن تدعم التعاونيات والمشاريع الصغيرة التي تحتاج شريكاً في المخاطرة لا دائناً فقط. وهذه الصيغ يوردها البنك الإسلامي الفلسطيني ضمن أدوات التمويل الإسلامي مثل المرابحة، السلم، الإجارة، المشاركة، المضاربة، الاستصناع، المزارعة والمغارسة.
حوكمة تحمي المنتج والمستهلك
غير أن التمويل وحده لا يكفي. فالاقتصاد المقاوم يحتاج حوكمة قانونية. يحتاج قوانين تحمي المنتج الوطني من الاحتكار والإغراق، وتسهّل تسجيل التعاونيات والمشاريع الصغيرة، وتمنح حوافز للزراعة والصناعة والطاقة، وتوجه المشتريات العامة نحو المنتج المحلي ما أمكن. كما يحتاج رقابة تمنع أن يتحول دعم المنتج الوطني إلى غطاء لرفع الأسعار أو ضعف الجودة. فالاقتصاد المقاوم لا يعني إغلاق السوق، بل يعني بناء قدرة محلية عادلة وفعالة ومحمية بقواعد واضحة.
خمسة أعمدة لاقتصاد مقاوم
من هنا يمكن القول إن فلسطين لا تحتاج فقط إلى خطة إنعاش، بل إلى تحول في التفكير الاقتصادي. فالاقتصاد المقاوم الواقعي يجب أن يقوم على خمسة أعمدة: إنتاج غذائي محلي، صناعة صغيرة ومتوسطة، طاقة مساندة للإنتاج، تمويل إسلامي موجه نحو الأصول المنتجة، وحوكمة قانونية تحمي المال العام والمنتج والمستهلك معاً.
إن الأرقام التي تكشف حجم التراجع ليست سبباً لليأس، بل سبباً لإعادة ترتيب الأولويات. فحين تشكل القطاعات الإنتاجية نسبة محدودة من الاقتصاد، يصبح دعمها واجباً تنموياً لا ترفاً سياسياً. وحين تتراجع الزراعة والصناعة والإنشاءات بهذا الحجم، يصبح توجيه التمويل نحوها ضرورة وطنية. وحين تتضرر الأراضي والمنشآت، يصبح الإعمار الحقيقي هو الذي يعيد بناء القدرة على الإنتاج، لا الذي يعيد إنتاج التبعية.
في النهاية، الاقتصاد المقاوم ليس اقتصاداً ينتظر الفرج، بل اقتصاد يصنع أدوات البقاء. وليس اقتصاداً يكتفي بإدارة الأزمة، بل اقتصاد يحول الأزمة إلى سؤال إنتاجي: كيف نزرع أكثر؟ كيف نصنع أكثر؟ كيف نوظف أكثر؟ كيف نمول بعدالة؟ وكيف نحمي مواردنا ومجتمعنا بالقانون والمؤسسة؟
فلسطين لا تحتاج إلى اقتصاد يصمد فقط، بل إلى اقتصاد ينتج وهو يصمد. وهذه هي البداية الواقعية لأي مشروع جاد في الاقتصاد المقاوم.