بث تجريبي — Test Broadcast
السبت، 19 سبتمبر 2026
عاجل
18 سبتمبر 04:51 م هيئة البث الإسرائيلية: لن يُسمح بقطف الزيتون في "أراضي الدولة" وسيسمح فقط في الأراضي المصنفة أراضي خاصة في منطقتي أ وب - 18 سبتمبر 04:51 م هيئة البث الإسرائيلية: لن يُسمح بقطف الزيتون في "أراضي الدولة" وسيسمح فقط في الأراضي المصنفة أراضي خاصة في منطقتي أ وب

من النووي إلى هرمز: كيف أعادت الجغرافيا رسم معنى النصر

توفيق الحميدي
توفيق الحميدي كاتب ومحلل سياسي يمني
1,933 مشاهدات
من النووي إلى هرمز: كيف أعادت الجغرافيا رسم معنى النصر

لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تقف عند سؤال الضربة العسكرية ولا عند حدود البرنامج النووي وحده. فقد دخلت الأزمة طورا أكثر تعقيدا بعد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن واشنطن وطهران توصلتا إلى نص نهائي متفق عليه لاتفاق سلام محتمل، وأن العمل جار على الخطوات اللاحقة لإتمامه. هذه الصيغة، بما تحمله من تقدم دبلوماسي وحذر سياسي، لا تعني أن الحرب انتهت تماما، لكنها تكشف أن التصعيد بلغ حدوده، وأن الأطراف عادت إلى الطاولة التي حاولت مغادرتها بالقوة.
هنا لا تبدو المفاوضات مجرد خاتمة لجولة عسكرية، بل مدخلا لفهم التحول الأعمق في معنى الحرب ذاتها: حرب بدأت بعنوان النووي، ثم وجدت نهايتها المحتملة عند مضيق هرمز؛ بدأت بشعار الحسم، ثم عادت إلى لغة التفاوض؛ بدأت بوعد كسر إيران، ثم انتهت إلى سؤال أكثر واقعية: كيف يمكن منع الحرب من ابتلاع الاقتصاد العالمي؟
في ظاهر المشهد، تبحث الأطراف عن وقف إطلاق النار، وفتح الممرات البحرية، وتهدئة أسواق الطاقة. لكن في العمق، نحن أمام معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية: معركة تعريف ما الذي حدث فعلا. هل انتصرت الولايات المتحدة لأنها أعادت إيران إلى التفاوض وربطت التهدئة بضمانات نووية وملاحية؟ أم انتصرت إيران لأنها لم تسقط، ولم يفكك برنامجها النووي بصورة نهائية، ولم تنكسر قدرتها الصاروخية؟ أم أن ما جرى لا يشبه النصر أصلا، بل يشبه فشلا متبادلا يعاد تسويقه بلغة المنتصرين؟
لم يعد النصر في الحروب الحديثة صورة جندي يرفع علما فوق مدينة مدمرة، ولا بيانا عسكريا يعلن نهاية المعركة. صار النصر بناء سياسيا وإعلاميا معقدا، يتشكل أثناء الحرب وبعد توقفها، وتتنازع عليه العواصم والشاشات والوسطاء والأسواق. لذلك بدا إعلان باكستان أقل وضوحا من أن يختزل في منتصر ومهزوم؛ فواشنطن تستطيع أن تقول إنها أجبرت طهران على العودة إلى التفاوض، وطهران تستطيع أن تقول إنها منعت خصومها من تحقيق أهدافهم النهائية، وباكستان تستطيع أن تقدم نفسها وسيطا أعاد الحرب إلى العقل السياسي.
حين دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة، لم تكن أهدافها المعلنة محدودة. فقد دار الخطاب الأمريكي والإسرائيلي حول تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وشل القدرات الصاروخية، وإضعاف النظام الإيراني جذريا، وربما دفعه إلى التراجع الاستراتيجي الكبير. وهذه أهداف تحويلية لا تتحقق بضربة عابرة ولا بجولة قصيرة، بل تحتاج إلى تغيير بنيوي في الدولة وسلوكها وموقعها الإقليمي.
غير أن لحظة التفاوض كشفت مفارقة صلبة: البرنامج النووي لم يصف بالكامل، بل عاد إلى الطاولة بوصفه موضوعا للتفاوض والرقابة والتخفيف. والقدرة الصاروخية لم تختف، بل بقيت جزءا من ميزان الردع. والنظام السياسي لم يسقط، ولم يظهر أنه بلغ لحظة الانهيار. وبين الهدف المعلن والنتيجة المتحققة ظهرت فجوة لا يمكن ردمها إلا بإعادة تعريف الهدف نفسه.
هنا يبدأ التحول الحاسم: من مشروع تغيير إلى مشروع احتواء، ومن تفكيك شامل إلى تأخير وإضعاف، ومن إسقاط النظام إلى تعديل السلوك، ومن إنهاء التهديد الإيراني إلى إدارته. بهذا المعنى، لم تعد الحرب اختبارا للقدرة على الحسم، بل اختبارا للقدرة على إدارة الأزمة: متى تبدأ، ومتى تتوقف، ومن يكتب روايتها، ومن ينجح في إقناع الداخل والخارج بأنه لم يخسر.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه مجرد ممر بحري. فالمضيق، الذي تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز، يمثل واحدا من أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل البترولية عالميا. هذه الحقيقة تجعل هرمز ليس تفصيلا جغرافيا، بل مركز ثقل استراتيجيا في أي مواجهة مع إيران.
لقد دخل هرمز الحرب كأحد أخطر أسلحة الجغرافيا الإيرانية. فهو ليس أقوى من النووي من حيث القدرة التدميرية، لكنه أسرع أثرا في الاقتصاد العالمي. النووي يمثل سؤال المستقبل والخطر الأقصى، أما هرمز فيمثل سؤال اليومي والمباشر: النفط، الغاز، التأمين، الأسعار، سلاسل الإمداد، وقلق الدول التي لا تريد حربا مفتوحة في شريان الطاقة العالمي.
لذلك كان إدخال هرمز في معادلة الحرب تحولا مهما في صياغة معنى النصر. لقد بدأت الحرب حول النووي، لكنها وجدت نهايتها المحتملة عند الملاحة والطاقة والتجارة العالمية. وهذا يعني أن الجغرافيا أعادت السياسة إلى حدودها الواقعية. فالطائرات تستطيع أن تقصف، والصواريخ تستطيع أن تدمر، لكن مضيقا واحدا يستطيع أن يجبر القوى الكبرى على النزول من سقف الحسم إلى أرضية التفاوض.
ليست المضائق جديدة في تاريخ الحروب، لكنها في هذه الجولة ظهرت بوضوح أكبر. من هرمز إلى باب المندب، ومن قناة السويس إلى الممرات البحرية الكبرى، لم تعد الجغرافيا خلفية صامتة للصراع، بل صارت فاعلا استراتيجيا. وحين ينتقل مركز الحرب من منشآت التخصيب إلى شريان الملاحة، فهذا يعني أن القوة العسكرية اصطدمت بحدود الاقتصاد والجغرافيا.
أما إسرائيل، فقد دخلت الحرب من زاوية مختلفة. كانت ترى في المواجهة فرصة لإعادة رسم ميزان الردع في المنطقة، وربما لفرض ضربة استراتيجية طويلة الأمد على إيران، ضمن تصور أمني وأيديولوجي لإعادة تشكيل الإقليم وفق شروط الردع الإسرائيلي. غير أن النتيجة، حتى الآن، لا تمنحها نصرا حاسما. فما حدث أقرب إلى الإرباك والتأجيل منه إلى التصفية والإنهاء. وحين لا يحسم التهديد النووي، يبقى الخطر قائما، ويتحول النجاح إلى إدارة مؤقتة لخطر مستمر.
في المقابل، تقرأ إيران الحرب من زاوية مختلفة. فهي لا تقدمها بوصفها مواجهة عسكرية حول برنامج نووي أو صواريخ فقط، بل بوصفها صراعا على السيادة ومكانة الدولة ودورها الإقليمي. لذلك لا تقيس النصر بحجم ما دمرته في الطرف الآخر، بل بمدى إفشال أهداف خصومها. فإذا بقي النظام، وبقيت القدرة الصاروخية، وعاد الملف النووي إلى التفاوض بدل التصفية، فإن ذلك يكفي لبناء خطاب نصر داخلي.
النصر الإيراني هنا لا يقوم على الانتصار الكامل أو تدمير الخصم، بل على منع الخصم من تحقيق انتصاره الكامل. وهذا منطق معروف في حروب اللامساواة؛ فالطرف الأضعف أو المحاصر لا يحتاج إلى إسقاط القوة الكبرى كي يعلن أنه انتصر، بل يكفيه أن يمنعها من تحقيق أهدافها النهائية. بهذا المعنى، يصبح البقاء فعلا سياسيا، والصمود مادة دعائية، والتفاوض دليلا على أن القوة وحدها لم تستطع فرض الإرادة.
هذه الثنائية بين الإنجاز والصمود تخلق منطقة رمادية يستطيع كل طرف أن يعلن فيها الفوز دون أن يمتلك نصرا حاسما. الولايات المتحدة تقول: أدرنا التصعيد، وأعدنا إيران إلى التفاوض، وربطنا التهدئة بضمانات نووية وملاحية. وإيران تقول: لم يسقط النظام، لم يدمر البرنامج، لم تنكسر القدرة، ولم يفرض الخصم شروطه كاملة. وبين الخطابين، يتشكل تعريف جديد للنصر لا يقوم على الحسم، بل على القدرة على البقاء والتأثير ومنع الآخر من احتكار تفسير النتيجة.
صحيح أن الحرب ألحقت بإيران خسائر عسكرية واقتصادية، وأضعفت بعض قدراتها، وربما دمرت منشآت مهمة، وفاقمت الأزمة الداخلية. وهذا كله جزء من معادلة النصر ولا يجوز تجاهله. لكن اختبار النصر لا يكتمل بالنظر إلى حجم الدمار فقط، بل بالنظر إلى العائد السياسي من ذلك الدمار. فالحروب الحديثة لا تقاس بما تستنزفه فقط، بل بما تحققه مقابل ما تستنزفه. وأي طرف يدفع كلفة عالية مقابل عائد محدود يقترب من الهزيمة، حتى لو امتلك لغة المنتصر.
في هذه الجولة، تبدو الكلفة عالية على الجميع: خسائر عسكرية، توتر في الأسواق، تهديد للملاحة، قلق إقليمي، ارتباك في التحالفات، وانكشاف حدود القوة. لذلك لا تبدو النتيجة نصرا صافيا لأي طرف، بل توازنا مجهدا بلغ حده الأقصى ثم بحث عن مخرج تفاوضي. وما الوساطة الباكستانية إلا دليل على أن التصعيد وصل إلى لحظة لم يعد قادرا فيها على إنتاج نتيجة أفضل من التفاوض.
ولفهم هذا النوع من الحروب، يمكن استحضار حرب تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله. فقد دخلت إسرائيل تلك الحرب بأهداف واضحة: القضاء على الحزب أو إضعافه جذريا واستعادة قوة الردع. لكنها لم تحقق هذا الحسم. وفي المقابل، لم يهزم حزب الله إسرائيل عسكريا، لكنه بنى سردية نصر على البقاء ومنع إسرائيل من تحقيق أهدافها. انتهت الحرب دون منتصر حاسم، لكنها أعيد تقديمها كنصر مزدوج عبر روايتين متقابلتين.
هذا النموذج يتكرر اليوم بصورة أوسع. فالولايات المتحدة لم تحقق أهدافها التحويلية كاملة، لكنها تعيد تعريف ما تحقق بوصفه نجاحا. وإيران لم تهزم خصومها، لكنها تبني خطابها على إفشال أهدافهم. أما إسرائيل، فقد حققت ضررا عسكريا، لكنها لم تصل إلى الحسم الاستراتيجي الذي يزيل الخطر الإيراني. وهكذا يصبح النصر، في مثل هذه الحروب، أقل ارتباطا بما حدث في الميدان، وأكثر ارتباطا بالقدرة على تحويل النتيجة الناقصة إلى رواية مقنعة.
ما نراه إذن ليس انتصارا مزدوجا، بل عجزا مزدوجا. حرب لم تحسم لأنها لا تحسم بهذه الأدوات، وتوقفت لأنها بلغت سقفها دون أن تكسر أحدا. في مثل هذه الحروب، لا يقاس النصر بمن ربح الجولة، بل بمن حافظ على موقعه، ومنع الآخر من فرض إرادته، وخرج من المواجهة قادرا على رواية ما حدث بوصفه إنجازا.
في النهاية، تكشف هذه الحرب عن تحول أعمق في طبيعة القوة ذاتها. لم تعد القوة هي القدرة على التدمير فقط، بل القدرة على صياغة معنى التدمير. الولايات المتحدة لم تحقق كل ما أرادته، لكنها تحاول تحويل العودة إلى التفاوض وفتح هرمز إلى نصر سياسي. وإيران لم تفرض إرادتها على العالم، لكنها تحاول تحويل بقائها إلى انتصار سيادي. أما الجغرافيا، فقد قالت كلمتها الأخيرة: لا يمكن للحرب أن تتجاهل المضائق والممرات والأسواق طويلا.
ربما يكون الطرفان صادقين حين يعلنان النصر، وربما يكون كلاهما مخطئا. لكن الاحتمال الأكثر إزعاجا أن النصر لم يتحقق أصلا، وأن ما نشهده ليس سوى مهارة متقدمة في تحويل النتائج الناقصة إلى قصص مكتملة. وفي زمن كهذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من انتصر؟ بل: من يملك القدرة على إقناع العالم بأنه انتصر؟

 

المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط،

مشاركة

مقالات ذات صلة