من الهبّة الجماهيرية إلى الحق في العلاج من يداوي وجع الانتظار؟
ليس المهم فقط أن تكون قد سمعت، أو شاهدت، أو ساهمت في الهبّة الجماهيرية والتعاطف الشعبي، والحملات التي انطلقت في مختلف أنحاء الضفة الغربية لجمع الأموال وتوفير العلاج للمرحوم مالك في الخليل، والطفلة بسملة في طولكرم، والطفل حسّون في شمال غرب القدس، بالقرب من محافظة رام الله والبيرة. واليوم، نرى حملات أخرى تنطلق تضامنًا مع مرضى من محافظات مختلفة.
أقف متأملًا مع منتصف الليل، وأعود بمشاعري وتضامني وذاكرتي إلى عقود مضت، مستحضرًا تجربتي الشخصية حين توقف كبدي عن أداء وظيفته، وانتهى بي المطاف في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أجريت، والحمد لله، عملية زراعة كبد.
أتساءل هل ندرك حقًا حجم المعاناة والألم اللذين يعيشهُما المريض وأسرته ومحيطُه؟ أم أننا أمام انفعالات لحظية، تحركها أحيانًا منشورات المؤثرين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، فتتأجج العواطف، ثم يخفت وهجها ويتلاشى أثرها، فيما يبقى المريض وحيدًا في مواجهة الألم والانتظار؟
هناك تجارب كثيرة، ومرضى أكثر ينتظرون حقهم في العلاج، يعيشون الحلم والمعاناة يومًا بعد يوم. وهناك آخرون يواجهون تجارب أشد قسوة، لا يعرف عنهم أحد، ولا يملكون القدرة على إيصال أصواتهم أو حشد الدعم لقضيتهم. فيذبلون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، وربما يرحلون دون أن يسمع أحد أنينهم.
هذا حال المرضى في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تتفاقم الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ويجد المرضى أنفسهم في مواجهة نظام صحي يعجز عن تلبية كثير من احتياجاتهم، ولا يستطيع توفير كثير من الأدوية، حتى الأساسية منها؟
إن التعاطف الحقيقي لا يُقاس بحجم الهبّة، بل بقدرتنا على تحويلها إلى حقٍّ مصون وحلٍّ مستدام.
نريد حلولًا جذرية ومستدامة، تستند إلى البروتوكولات العلاجية، وتكفل لكل مريض، في كل قرية وبادية ومخيم ومدينة من مدن هذا الوطن السليب، حقه في العلاج والرعاية بكرامة وإنسانية، وفقًا للمواثيق والمعاهدات الدولية التي تصون الحق في الصحة.
فالحملات الجماهيرية قد تنقذ حياة، وهذا فضل لا يُنكر، لكنها لا ينبغي أن تكون البديل عن نظام صحي عادل ومسؤول. فالعلاج ليس منّةً، والصحة ليست امتيازًا، وحياة الإنسان لا يجوز أن تبقى رهينة حملة تضامن عابرة أو قدرة أسرته على جمع المال.