مخيم "حلاوة" الممزوج بالدم..
رصاص الاحتلال يغتال السكينة في خيام شمال غزة
غزة- أرض الإخبارية
كتب: بهاء عبدالله
لم تكن هناء (37 عامًا) تعلم أن خيمتها البالية في مخيم «حلاوة» شمال قطاع غزة، والتي ظنتها ملاذاً أخيراً بعد جولات من النزوح، ستتحول إلى مسرح لجريمة مروعة. في ظهيرة يوم من أيام مارس 2026، وبينما كانت تجلس في زاوية الخيمة تضم رضيعها «آدم» إلى صدرها لتمنحه القليل من الدفء والحليب، اخترقت رصاصة ثقيلة قماش الخيمة الهش. لم تسمع هناء صوت الانفجار أولاً، بل شعرت بحرارة مفاجئة تسري في جسدها، تلاها تدفق دافئ لدمائها التي اختلطت بحليب الرضيع في مشهد يختزل مأساة الإنسان الفلسطيني.
رصاصة في الصدر

تتذكر هناء تلك اللحظات وهي ترقد على فراش الموت البطيء في نقطة طبية تفتقر لأدنى المقومات، حيث لا تزال الشظايا تسكن جسدها. إنها ليست مجرد إصابة جسدية، بل هي ندبة في روح الأمومة الفلسطينية، وإعلان صريح بأن سياسة الاستهداف لا تفرق بين مقاتل ومدني، وبين شيخ وطفل رضيع يبحث عن شذرات الحياة في صدر أمه.
استباحة مخيم حلاوة

رصدت «أرض الإخبارية» سلسلة من الخروقات الممنهجة منذ مطلع عام 2026؛ ففي 15 يناير 2026، استهدفت مدفعية الاحتلال أطراف المخيم بثلاث قذائف تسببت في حرق عشر خيام وإصابة عدد من الأطفال بحالات اختناق وحروق شديدة. وفي 22 فبراير 2026، فتحت آليات الاحتلال المتمركزة على الخط الفاصل نيران رشاشاتها الثقيلة باتجاه مجموعة من النساء كنّ يجمعن الحطب للتدفئة، مما أدى إلى استشهاد فتاة في العشرين من عمرها.
توالت هذه الاستهدافات لتصل ذروتها في شهر مارس وأبريل 2026، حيث بات القنص المباشر وسيلة لترهيب النازحين ومنعهم من محاولة العودة إلى أحيائهم المدمرة في الشمال العميق. إن مخيم حلاوة اليوم يمثل نموذجًا صارخًا لعدم احترام المواثيق الدولية، حيث يتم التعامل مع الخيام كأهداف عسكرية مشروعة، وتتحول رصاصات الاحتلال «الطائشة» -كما يزعم- إلى أدوات قتل دقيقة تستهدف صدور الآمنين.
شهادات من الجحيم

يضيف الحاج خلال حديثه لـ«أرض الإخبارية» وهو يشير إلى ثقوب في سياج الخيمة: «كل ليلة نضع أبناءنا في وسط الخيمة ونحيطهم بالأمتعة والملابس، ظنًا منا أنها قد تصد رصاصة طائشة. لكن رصاص الاحتلال ثقيل، يخترق كل شيء. لقد تحول مخيم حلاوة من ملجأ من الموت إلى ساحة انتظار له، ونحن هنا نعد الأيام والضحايا في ظل صمت العالم الذي يظن أننا نعيش في سلام».
تروي الممرضة المتطوعة «سارة بدوان» شهادتها عن نوعية الإصابات التي تصل إلى النقطة الطبية المتواضعة، التي تم إنشاؤها حديثًا في مخيم حلاوة: «خلال شهري مارس وأبريل، استقبلنا أكثر من 40 إصابة بطلقات نارية مباشرة، معظمها في المناطق العلوية من الجسد. هذا يدل على أن القنص متعمد وليس عشوائيًا. أصعب الحالات كانت لامرأة أصيبت وهي داخل خيمتها، ورجل مسن أصيب وهو يحاول جلب الماء».
تتابع سارة حديثها لـ«أرض الإخبارية» والدموع في عينيها: «الإمكانيات لدينا شبه معدومة، ونحن نعالج جروحًا ناتجة عن أسلحة شديدة الفتك تسبب تهتكًا في الأنسجة. الاحتلال يخرق التهدئة يوميًا، وكل إصابة تصلنا هي صرخة في وجه المجتمع الدولي الذي يدعي مراقبة وقف إطلاق النار. إنهم يقتلوننا بدم بارد، والنازح في مخيم حلاوة بات يخشى حتى من الوقوف طويلاً خارج خيمته».
تخت غطاء الصمت الدولي
يقول الشوا لـ«أرض الإخبارية»: «إن استهداف النساء والأطفال داخل خيام النزوح هو انتهاك صارخ للمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، والتي تحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب».
ويوضح: «ما نلحظه في مخيم حلاوة هو استهداف ممنهج يهدف إلى دفع النازحين نحو اليأس والتهجير القسري المتكرر، مما يفاقم من معاناة السكان في شمال القطاع الذين يعانون أصلًا من مجاعة وظروف معيشية قاهرة».
ويختم الشوا أن «إفادات الشهود وتوثيق الإصابات بالرصاص الحي في المناطق العلوية من الجسد تؤكد وجود نية مبيتة للقتل. نحن نطالب المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية، بضرورة إرسال لجان تحقيق ميدانية لمعاينة هذه الخروقات. لا يمكن القبول بأن يظل وقف إطلاق النار من طرف واحد، بينما تستمر آلة القتل الإسرائيلية في حصد أرواح الفلسطينيين في مراكز إيوائهم».