معبر الكرامة كعقاب جماعي للفلسطينيين
تل أبيب- أرض الإخبارية
كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، اليوم الخميس، عن تفاقم معاناة الفلسطينيين من الضفة الغربية نتيجة تقليص ساعات العمل في معبر الكرامة (جسر الملك حسين)، المنفذ البري الوحيد المخصص لسفرهم إلى الخارج، ما أدى إلى أزمات ازدحام حادة وظهور سوق سوداء لبيع الأدوار، فضلاً عن إلغاء آلاف المسافرين لخطط سفرهم خلال مواسم الذروة.
وأشارت الصحيفة إلى أن المعبر يعمل، الذي يخضع لإدارة السلطات الإسرائيلية بتوجيه من جهاز الشاباك، لمدة تسع ساعات يومياً، إلا أن الفترة الفعلية لاستقبال المسافرين القادمين من الجانب الأردني لا تتجاوز خمس ساعات ونصف، مع إغلاق تام يوم السبت.
وقالت إن هذا التقليص أدى إلى فوضى تنظيمية واضطراب كبير في جداول السفر، خاصة خلال مواسم العطل الصيفية والشتوية والأعياد، حيث تجاوز عدد المغادرين من الضفة 15 ألفاً أسبوعياً، والعائدين 18 ألفاً.
وكشفت عن انتشار ظاهرة السماسرة عبر نشوء سوق غير رسمية لبيع الحجوزات، استغلها مهربو السجائر والهواتف الذكية، إضافة إلى سماسرة محترفين.
وتطرقت هآرتس إلى المعاناة الإنسانية المتمثلة في وقوف مسافرون، بينهم أطفال وكبار سن، ساعات طويلة داخل حافلات مغلقة تحت درجات حرارة مرتفعة، ما أدى إلى حالات إغماء وجفاف، حيث تصل مدة الانتظار داخل الحافلات إلى ثلاث ساعات ونصف قبل السماح بالنزول للإجراءات.
وكشفت إلى أن الشكاوى المتصاعدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وحملة شعبية فلسطينية تحت عنوان "حقنا: الجسر 24/7"، دفعت السلطات الأردنية إلى تحديث نظام الحجز الإلكتروني، وفصل موظفين مشتبه بتلاعبهم بالأدوار، إضافة خيمة انتظار خارج قاعة الجوازات، وتخصيص مسارات للحالات الإنسانية والمرضية دون حجز مسبق، زيادة عدد موظفي المراقبة الحدودية عند الحاجة، وتقديم موعد افتتاح الجانب الأردني من المعبر.
لكن الصحيفة اعتبرت أن هذه الإجراءات بقيت جزئية، إذ لم تلغِ خدمة "VIP" المدفوعة (90 ديناراً أردنياً/120 دولاراً) التي تتيح تجاوز الدور، ولم تعالج القيد الجوهري المتمثل بساعات العمل القصيرة التي تفرضها إسرائيل.
يذكر أن تقرير البنك الدولي أشار إلى استمرار إلى أن تقليص ساعات العمل يضر بفرص التنمية الاقتصادية الفلسطينية.
وتقدمت منظمة تمثل القطاع الخاص الفلسطيني في مارس الماضي بطلب إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بتمديد ساعات العمل أو العودة إلى نظام ما قبل العقد الماضي (عمل حتى منتصف الليل وسبعة أيام أسبوعياً)، ومن المقرر عقد جلسة نهاية الشهر الجاري.
على المقلب الآخر، بررت سلطة المطارات الإسرائيلية في ردها لـ"هآرتس" تقليص ساعات العمل بـ"الوضع الأمني" الحالي، مشيرة إلى وقوع عمليتين أسفرتا عن مقتل خمسة إسرائيليين، تجنيد واسع لقوات الاحتياط، مما يحد من توفر عناصر الأمن.
وأكدت سلطة المطارات التزامها بساعات العمل المنصوص عليها في معاهدة السلام مع الأردن، متجاهلة اتفاقيات أوسلو التي نصت على تشغيل المعبر دون انقطاع، ومؤكدة أن الملف يُناقش مع الجانب الأردني فقط، دون إشارة للسلطة الفلسطينية.
ووفقاً لأرقام الشرطة الفلسطينية فقد عبر المعبر عام 2025 نحو 1.5 مليون مسافر فلسطيني، و1.87 مليون شاملاً المقدسيين والأجانب حسب بيانات إسرائيلية، حيث يستخدم المعبر أيضاً نحو 360 ألفاً من سكان القدس الشرقية.
وفي الوقت الذي تفرض فيه سلطات الاحتلال ساعات عمل محددة على المعبر، فإن معبر طابا مع مصر يعمل على مدار الساعة رغم استخدام 960 ألف مسافر فقط العام الماضي.
تعكس أزمة معبر الكرامة نموذجاً معقداً لتقييد حركة الفلسطينيين، حيث تتداخل القيود الأمنية الإسرائيلية مع مصالح اقتصادية لأطراف تستفيد من الازدحام، في غياب تام للشراكة الفلسطينية في إدارة المعبر، رغم كونه المنفذ الوحيد لنحو ثلاثة ملايين فلسطيني. وتبقى الإجراءات الأردنية التخفيفية غير كافية طالما استمرت ساعات العمل المحدودة التي تفرضها إسرائيل، والتي وصفها وزير الداخلية الأردني مازن الفراية خلال زيارته الشهر الماضي بأنها "وضع زبالة".