ما هو البديل عن خطاب الجندر: انزياح مصطلح المساواة الجندرية
من الجليّ لدى مفكري وفلاسفة الجندر والممارسين، أن خطاب الجندر لا زال مدوّنا على اللوح والكل يتأمل الخطاب، ويعيد تشكيله وصياغته بما تواتيه السياقات العالمية المختلفة، ما يعني أن خطاب الجندر بصيغته الحالية الغربية عابر للثقافات، لكنني ككاتبة وباحثة في هذا الموضوع، أرى أن الخطاب الجندري العالمي يصطدم بحتميات ثقافية لا يمكن انزياحها، حتى لو أخذ ذلك عقود من الحراكات النسوية التي لا زالت في طوْر المحاولة ليس إلا، لذلك لست متأكدة من كون الخطاب الجندري العالمي عابر للثقافات، كونه تجربة سياقية تولدت في ظروف اجتماعية واقتصادية مغايرة تماما عن ظروف دول العالم الجنوبي.
بينما أرى أن التغيير هو مسألة نسبية مرتبطة بعوامل الوعي الاقتصادي والخضوع للأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، فيما تنجح التجربة النسوية الغربية بترسيخ وجودها كمركزية في الوعي الغربي، بمعنى أن هناك قوانين وسياسات في تلك البلدان تمر من فلتر الخطاب الجندري، وهذا يعزو لمسألة "إرادة المعرفة" لدى الوعي الغربي.
لا أزين الوعي الغربي، إنما هذا الواقع، الذي حالت إليه النهضاتالفكرية والسياسية والاجتماعية الغربية بعد الحربين العالميتين.
الحروب المفتوحة.. قدر الجنوب العالمي
إن تعقيد أشكال الاستعمار في دول الجنوب العالمي، يخلق حالة من الاضطراب والإحباطات التي تحول دون ممارسة أشكال الحياة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فطبيعة السياسة النيولبرالية في هذه المناطق تعتمد على سياسة افتعال الأزمات، وخلق المزيد من فوهات البركان التي لا تُخمَد، بحيث تستنزف طاقات وموارد شعوب الجنوب العالمي، مما يجعل مفهوم المساواة كممارسة في ظل هذه التعقيدات شيئا مستحيل التحقيق، بل إن هناك قضايا تتزاحم في دوامة من التعقيدات التي تبتلع أبسط حقوق الإنسان، أي حقوق المرأة والرجل على حد سواء، لذا إن كان هناك مساواة فعلية في البيئة العربية، فهي المساواة في الاستغلال والاضطهاد المبني على الجندر لكل من الرجل والمرأة.
عن المساواة وانزياح المساواة:
إن المطالبة بالمساواة بصيغتها الحالية في المجتمعات العربية قد تعبر عن حالة مبالغة غير طبيعية في الاستحقاقات، فهي تطالب بالمساواة لفئة محددة من المجتمع، بينما تهمل المطالبة بالمساواة في مسائل كثيرة مثل الميراث والزواج، هذا وقد توحي الصيغة بأن الصراع الجدلي التاريخي بين هوية المرأة والرجل يحسم فقط بالمساواة، فتعالوا نتخيل أن هذه المساواة قد تحققت فعلا في مجتمع عربي بطريركي.
إن المساواة بشكلها التقليدي، أي الكلاشيهات التي نادت بها الحراكات النسوية العربية وحققت بعضا منها في مسائل تتعلق بقضايا الأجور، والمكافآت والإجازات، وغير ذلك، فهي مساواة لا تتعدى السياق الاقتصادي داخل بيئة العمل وكأنها ضرورة سلوكية مرجوّة في سبيل تحقيق أهداف العمل.
فبدلا من تضييع ساعات العمل وتعطيل الإنتاج في المطالبة بحقوق متساوية في الأجور والإجازات، يختصر رب العمل هذه الإشكالية من أجل سير مصلحته في السوق، خصوصا بوجود المنافسة، أو حساسية توقعات متلقي الخدمات.
وانتقالا إلى السياق الاجتماعي، المحكوم بالعقل العربي، ونحن إذ نتحدث عن العقل العربي نعني أن النظام الاجتماعي خاضع تماما للتابوهات الموروثة القديمة من آلاف السنوات، ويصبح هذا النظام حياة يومية طبيعية مهما طرأت تغيرات راديكالية بسبب الظروف السياسية، لذا نشير هنا أن الظروف السياسية التاريخية هي التي تتبدل وتتغير وتظل الظروف الاجتماعية ثابتة وكأنها المركز.
إن التشكلات السياسية العربية تختلف تماما عن التشكلات السياسية الغربية، فالتغيرات السياسية الغربية متبوعة دائما بتغيرات اجتماعية بشكل تلقائي، بسبب خصوصية المنطقة العربية في الطابع الاجتماعي البطريركي، حتى أن الأديان التوحيدية اكتسبت الطابع البطريركي حتى تلاقي قبول الناس وإقبالهم.
وبالنظر في البنية المركزانية الجوهرانية للأبوية في المجتمع العربي، فإنها بنية مشَكَّلة تجعلها راسخة وثابتة غير قابلة للاستبدال والانزياح، حتى أنها ترفض الظواهر الحديثة ما لم تجد مصلحة مشتركة معها، وتقترن بتحالفات تدعم وجودها التحالف بين الرأسمالية والأبوية، والتحالف بين السياسة والأبوية، والتحالف بين القانون والأبوية، فكلها متغيرات تدور حول الأبوية، فهي الثابت والمركز.
إن اتخاذ مسألة المساواة من القيم الاجتماعية الأبوية أنها السلطة، والمساواة هي شيء من متعلقات الذات التي تخضع للسلطة، يثير تساؤلا جدليا في أين تتموضع خيارات ذاتية مثل اللازواج، واللاسلطوية، واللا إنجاب، واللامشاركة، واللاحداثة.
ثمة مخاوف تتنحى خلف مصطلح المساواة، ربما أنها لا تتنحى، ولكن بالأحرى تعمل منظومة أفكار المساواة على حجب قضايا وإشكاليات جذرية في المجتمع، وكأن عدم المساواة هنا يُنظر إليه على أنه تحصيل حاصل، أو شيء ظاهري، ويطفو على سطح القضايا المحجوبة، والأصوات المكتومة.
إن استدعاء تصوّر لحدوث المساواة الفعلية في المجتمعات العربية، ليس فيه ما يسهُل طرحه حتى في المخيلة، ولكن أستطيع أن أطرح فكرة المساواة في أكثر الأماكن التي يحصل فيها احتكاك بين الرجل والمرأة، ألا وهي المنزل.
حين نراقب تحركات الرجل داخل المنزل، فهي تختلف تماما عن تحرّكات المرأة، يتحرك الرجل من واقع الملكية للمنزل، وهذه الملكية تقليدية ومحفوفة بقيم اجتماعية متصلّبة، فلا يمكن لرجل عربي أن يعيش في بيت ليس ملكه الخاص، فبالتالي يصبح تموضع المرأة داخل المنزل كشيء تابع للمتلكات الرجل، أو تقترن بما يمتلكه، حتى لو كان للمرأة وجود شكلي او جوهري في المنزل، لكن الملكية هنا هي التي ترجّح القوة للرجل.
في هذا المثال المذكور، تواجه إرادة المرأة قيود كثيرة، فدائما ما تتموضع في موضع الطرف الذي يسعى طوال الوقت للحفاظ على وجوده، حتى لو كانت كل أشكال الأمان متوفرة للمرأة في المنزل، ولكن هذا الأمان لا يكون دون مقابل من المرأة.
فكيف ننادي بالتعامل بمساواة بين غير المتساويين؟ هل المطالبة بالمساواة تشكّل تضييعاً لوقت المرأة في نضالها من أجل تحصيل حقوق جدا بسيطة، حتى ننتقل إلى مرحلة المطالبة بالمساواة في القضايا الكبرى؟
إلى أي عمق يمكن للمرأة أن تدرك أهمية المساواة الشاملة في تفاصيل هي ترفض فيها المساواة أصلا؟
إن مشهد اكتفاء المرأة ببعض المن المساواة أو القليل من المساواة، أو المساواة النسبية، هو مشهد مليء بالفجوات التي تزيد من عمق الجدل المستدير بين المرأة والرجل، فمهما حصلت هذه المساواة تظل منقوصة.