الاقتصاد كأداة صمود: حين تتحول التنمية إلى معركة وطنية
في التجربة الفلسطينية المعاصرة، غالباً ما يُنظر إلى الصراع من زاوية السياسة أو الأمن أو المواجهة الميدانية، بينما يجري تجاهل ساحة أخرى لا تقل أهمية وتأثيراً، وهي ساحة الاقتصاد. فالشعوب التي تسعى إلى الحرية لا تحتاج فقط إلى خطاب سياسي قوي، بل تحتاج أيضاً إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وتعزيز الاستقرار، وتقليص التبعية، وخلق مساحات أوسع للصمود.
خلال العقود الماضية برزت نماذج فلسطينية حاولت التعامل مع التنمية بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا والعقارات والاتصالات وريادة الأعمال. هذه النماذج لم تكن بمنأى عن الانتقادات أو الجدل، لكنها طرحت سؤالاً مهماً: هل يمكن للاقتصاد أن يصبح أداة من أدوات تعزيز الوجود الفلسطيني على الأرض؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تستحق التأمل. ففي بيئة تعاني من الاحتلال والقيود على الحركة والتجارة والاستثمار، يصبح أي مشروع اقتصادي كبير أكثر من مجرد مشروع ربحي. إنه اختبار لإمكانية بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار رغم التحديات، ومحاولة لخلق واقع مختلف يمنح الشباب فرصاً داخل وطنهم بدلاً من البحث عنها خارجه.
لقد أظهرت تجارب تنموية متعددة أن الاستثمار في البنية التحتية والإسكان والتكنولوجيا لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله. فكل فرصة عمل جديدة تعني أسرة أكثر استقراراً، وكل مشروع إنتاجي يفتح نافذة أمل في بيئة يغلب عليها عدم اليقين، وكل استثمار ناجح يبعث رسالة بأن الفلسطينيين قادرون على البناء كما هم قادرون على الصمود.
وفي المقابل، فإن الشخصيات الاقتصادية البارزة غالباً ما تجد نفسها في قلب معارك تتجاوز حدود الاقتصاد. فعندما يتحول رجل الأعمال إلى فاعل مؤثر في المجال العام، يصبح عرضة للنقد والاستهداف والضغوط، سواء من خصوم سياسيين أو من جهات تسعى إلى تقويض أي تجربة فلسطينية مستقلة وقادرة على التأثير.
ومن بين أبرز النماذج التي برزت في هذا السياق تجربة رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، الذي ارتبط اسمه بمشروع مدينة روابي، أول مدينة حضرية فلسطينية متكاملة. وقد شكلت روابي نموذجاً عملياً لقدرة الفلسطينيين على التخطيط والتنفيذ وبناء مشاريع تنموية كبرى رغم التحديات السياسية والاقتصادية. ولم تقتصر أهمية المدينة على الجانب العمراني فحسب، بل أسهمت في خلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار، ودعم قطاعات متعددة مرتبطة بالبناء والخدمات والتكنولوجيا. كما أن نجاح روابي يمكن أن يشكل قاعدة لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني من خلال استقطاب المزيد من الاستثمارات المحلية والخارجية، وتشجيع المبادرات الريادية، وتطوير بيئة اقتصادية أكثر قدرة على النمو والاستدامة، بما يعزز منظومة التنمية الفلسطينية ويقوي مقومات الصمود الوطني.
ورغم ما يمثله بشار المصري من حالة جدل محليا ودوليا براي المتابعين له والمهتمين بمسيرته فيمكن فهم رحلته الاستثنائية التي قد تغير من مسار صورته النمطية لدى المشككين من خلال وقوفه في وجه الضغوط الخارجية، وخاصة من اللوبي الصهيوني في أمريكا، وأيضاً ماذا قدم للاقتصاد الفلسطيني على أرض الواقع.
المصري تعرض لهجمة شرسة من جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة، ووصل الأمر إلى رفع دعاوى قضائية ضده هناك. كثير من المراقبين رأوا أن هذه الدعاوى لم تكن مجرد إجراءات قانونية، بل محاولة لتجريم أي شكل من أشكال المقاومة السياسية أو الاقتصادية الفلسطينية. ولكن في النهاية، وكما هو موثق، لم تنجح هذه الدعاوى.
هذا يعتبر نموذجاً صريحاً لمواجهة تأثير اللوبي الصهيوني، الذي اعتاد استهداف أي فلسطيني له وزن، لكن الأهم أن هذه القضية كشفت أن القضاء الأمريكي ليس مطلق القدرة عندما يواجه موقفاً منظماً قانونياً وسياسياً.
لكن بعيداً عن أمريكا والمحاكم، الرجل كان منشغلاً بشيء آخر في فلسطين، خلق فرص عمل حقيقية، من خلال شركاته في الاتصالات والتكنولوجيا والعقارات، وإنشاء مدينة روابي التي اشرنا اليها سابقا واهميتها الاقتصادية . فهي لم تكن مجرد عمارات وأبراج، بل كانت محاولة لتقديم نموذج تنموي مستدام.
استوعب هذا المشروع آلاف العمال الفلسطينيين، وخفف الضغط على السوق المحلية، وقلص الحاجة للاحتلال في قطاع البنية التحتية، باختصار، أنعش السوق المحلية وقدم حلولًا عملية رغم الحصار والمعيقات.
كما ان اللافت في رؤية بشار المصري أنها واقعية، بعيدة عن الشعارات الجاهزة، فهو يدافع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، لكنه في نفس الوقت مدرك لتعقيدات العالم.
في النهاية، بشار المصري يقدم حالة عملية لشخصية فلسطينية حاولت تقديم الاقتصاد كأداة صمود مع المواجهة القانونية والسياسية كلعبة ضغط دولية.
صموده أمام المحاكم الأمريكية ودعمه للاقتصاد المحلي يستحقان الدراسة والتحليل، خاصة في ظل ظروفنا المعقدة التي تحتاج لكل أشكال النضال والمقاومة.
ولعل أبرز ما تكشفه هذه التجارب أن النجاح الاقتصادي في الحالة الفلسطينية لا يُقاس فقط بحجم الأرباح أو عدد المشاريع، بل بمدى القدرة على الاستمرار وسط بيئة شديدة التعقيد. فالمستثمر الفلسطيني لا يعمل في ظروف طبيعية، بل في سياق مليء بالتحديات السياسية والقانونية والأمنية، الأمر الذي يجعل كل إنجاز اقتصادي يحمل في طياته بعداً وطنياً يتجاوز الحسابات التجارية التقليدية.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في العلاقة بين الاقتصاد والمشروع الوطني. فالتنمية ليست بديلاً عن الحقوق السياسية، لكنها تشكل أحد أعمدة الصمود الضرورية لحماية المجتمع وتعزيز قدرته على البقاء والتطور. كما أن بناء مؤسسات اقتصادية قوية لا يعني التخلي عن الثوابت، بل يمكن أن يكون وسيلة لترسيخها عبر توفير مقومات الحياة الكريمة وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية.
إن التجربة الفلسطينية بحاجة اليوم إلى نقاش أكثر عمقاً حول دور القطاع الخاص ورجال الأعمال والمبادرات التنموية في صناعة المستقبل. فبين المواقف السياسية المتباينة والقراءات المختلفة، تبقى حقيقة واحدة يصعب تجاهلها: لا يمكن لأي مجتمع أن يخوض معاركه الوطنية بكفاءة دون قاعدة اقتصادية قادرة على دعمه وحمايته.
في النهاية، قد يختلف الناس حول الأشخاص أو الخيارات أو الأساليب، لكنهم يتفقون عادة على أهمية بناء اقتصاد وطني قوي. فالدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، كما أن المجتمعات لا تصمد بالخطابات فقط، وإنما بالقدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والطموحات إلى مشاريع، والتحديات إلى فرص تفتح