الإنسان والآلة.. من يبقى في سوق العمل؟
في عصر التطورات الذكية، والتكنولوجيا المتسارعة.. والتطور الحاصل في مجالات واسعة ومختلفة في شتى مجالات العلم: الذكاء الاصطناعي، الروبوتات المتقدمة، المنازل الذكية، السيارات ذاتية القيادة، الأجهزة فائقة الذكاء، إنترنت الأشياء وغيرها من التفرعات الذكية. إلا أن الذكاء الإصطناعي غير مجرى المعادلة في جميع المجالات إلى حد لم يتصوره إنسان، خاصة في أتمتة المهام في سوق العمل والوظائف البشرية.
إن ما يشهده التاريخ اليوم من تفوق علمي وتقني في بيئة الذكاء الإصطناعي لم يسبق له مثيل منذ الثورة الصناعية، تصفه منظمات دولية بـ"تطور غير مسبوق"، وجزء من هذا التطور يتمثل في أتمتة المهام البشرية. استحوذ الذكاء الإصطناعي حتى الآن على قدر كبير من الوظائف المختلفة. ومع السنوات القادمة ستبدو هذه الآلة أكثر تقدماً وقدرة على إنجاز المهام ذاتياً-حتى ربما دون تدخل الإنسان-أثبتت السنوات الأخيرة أن هذه التقنية تنمو يومياً بشكل متسارع في مختلف مجالات الحياة. والتغيرات التي طرأت على المستوى العالمي تشير بوضوح إلى أن الإنسان اليوم يمضي قدماً دون أفق واضح ومستقبل مجهول، وسط تخوف من فرضية سيطرة الذكاء الإصطناعي على سوق العمل واستبعاده من كرسيه الوظيفي لتحول مكانة، بالتزامن مع توقعات الشركات والمنظمات الدولية أتمتة الملايين من الوظائف حول العالم.
أتمتة سوق العمل
في ظل تصاعد المخاوف العالمية حول مستقبل سوق العمل، تقدر تقارير دولية أن ملايين الوظائف سيحولها الذكاء الإصطناعي. تقديرات غولدمان ساكس البحثية تؤكد أن نحو 300 مليون وظيفة عالمياً قد تكون معرضة للأتمتة. أي أن جيل اليوم أمام اختبار وجودي، بين أن يمتلك المهارة اللازمة للمواكبة، أو أن يذعن للحقيقة المرّة: أن يصبح خارج الدائرة الظيفية.
ويقدر تقرير منظمة العمل الدولية "أن ربع الوظائف عالمياً مهددة بدرجات متفاوتة من الأتمتة، وأن 60% تضم ما لا يقل عن 30% من الأنشطة القابلة للاستبدال"، ويؤكد التقرير " أن على مستوى الاقتصاد العالمي يعمل اليوم نحو 3.8 مليار عامل". أي أن ما يقرب من نصف سكان الكوكب أمام تهديد يستهدف مقاعدهم الوظيفية. ولا توجد حيلة سوى اكتساب المزيد من المهارات اللازمة لسوق العمل الجديد في عصر جديد يشرق بشمس ذكية.
تقرير منتدى الإقتصاد العالمي تصور توسيع نطاق تأثير الوصول الرقمي على مستوى التكنولوجيا ككل؛ حيث يتوقع 60% من أصحاب العمل أن يحدث هذا التوسع تحولاً جذريا في أعمالهم بحلول عام 2030.
ويضع التقرير تقديرات ونسب مئوية تقديرية للتحولات التكنولوجية، كالتالي:
* الذكاء الإصطناعي ومعالجة المعلومات(86%)
* والروبوتات والأتمتة(58%)
* وتوليد الطاقة وتخزينها وتوزيعها(41%)
أتمتة الأعمال
نشرت دورية Annual Review Economics دراسة بعنوان: النمو الإقتصادي في ظل الذكاء الإصطناعي التحويلي(AI-Economic Growth Uhder Trans Formatlve) خلاصة البحث، "أن التطورات الحديثة في مجال الذكاء الإصطناعي يقرب ظهور أنظمة قادرة على أتمتة جميع الأعمال تقريبا"، ويضيف:"من المؤكد أن أتمتة الإنتاج بالكامل (بحيث تستطيع الآلات التكاثر الذاتي) سترفع معدل النمو بشكل كبير وتقلل حصة العمل، مما يخالف حقائق كالدور التي لطالما ميزت النمو في المناطق الحدودية"، (أي الإقتصادات التي على الحافة التكنولوجية للعالم) ٠
هذه الإحصائية تضع الإنسان العادي في مواجهة الآلة الذكية الحديثة، والأخطر أن تصبح هذه الآلة أكثر تطوراً في السنوات القادمة، مع إرتفاع وتيرة المخاوف العالمية من وصولها إلى نموذج عالي التطوير(الذكاء الإصطناعي ذاتي التطوير)، وعندها سيدفع الثمن الباهض المواطن والشركة والدولة معاً.
أزمة عمل
وفي السياق التكنولوجي والسباق الذكي.. تتحدث هيئات عالمية ومنظمات دولية عن معدل البطالة المخيف، خاصة بين فئة الشباب. حيث يواجه الشباب مستقبل سحيق مليء بالمخاوف والتراهيب، خاصة طلاب الجامعات وحديثي التخرج والباحثين عن فرصة عمل في سوق يكتظ بملايين العاطلين عن العمل. أظهر التقرير الحديث لمنظمة العمل الدولية حول مستقبل الشباب في العالم إلى تفاقم أزمة بطالة الشباب على مستوى العالم.
وأشار إلى تزايد صعوبة حصولهم على دخل ثابت خلال حياتهم العملية، ووصف مستقبلهم بــ"الطريق الوعر".
وتحدد المنظمة أن الذكاء الإصطناعي تهديد إضافي للشباب، وتشير تقديراتها إلى أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 عاما و 29 عاما، تقع ضمن مهن معرضة بشدة للتغيرات المرتبطة بالذكاء الإصطناعي، وتتركز بشكل خاص في الوظائف المتوسطة المهارة التي تشهد انخفاضاً بين العمال الشباب.
وتستخلص منظمة العمل الدولية أي استنتاجات سياسية أوسع نطاقاً بشأن تأثير بطالة الشباب وانعدام دخلهم، في ظل تزايد أعداد الشباب (15-24)عاماً. ويبلغ عدد هذه الفئة حالياً نحو 1.3 مليار نسمة.
وقف السباق هو الحل
مع تزايد المخاوف من مخاطر محتملة على مستوى الإقتصاد والأمن السيبراني والعسكري، ومع تكهنات الباحثين والمهندسين وخبراء الذكاء الإصطناعي أنفسهم. أرتفعت دعوات عالمية، ورسمية، إلى إبطاء أنظمة الآلة الحديثة، دعا كل من داريو أمودي Dano Amodei الرئيس التنفيذي لشركة انثروبيك(Anthropis)، وسام ألتمان Sam Altman الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، وغيرهم من الشخصيات رفيعة المستوى إلى إبطاء وتيرة الذكاء الإصطناعي. ولكن هذه الخطوة رغم صوابها كما يراه بعض الخبراء من ناحيتين، الناحية الأولى: تتعلق بالمسؤولية الإقتصادية، والأمن والسلامة الشخصية، وحماية بيانات الشركات والهيئآت والأفراد، والناحية الثانية: تتعلق باختبارات االسلامة والتقييم المستقل.
وفي المقابل كما يقال"هذه هي القشةالتي قسمت ظهر البعير"، فقد أعتبرها البعض سياسة تكنولوجية مغرضة. الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» عارض هذه الفكرة بشدة معتبرها تفوقاً تكنولوجيا على أي بلد في العالم، خاصة الصين التي تمثل المنافس الأكبر عالميا لأمريكا إقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا. وسار على هذا النهج أيضاً «مارك زوكربيرغ» االرئيس التنفيذي لمجموعة "ميتا".
بينما سار البعض على نحو مغاير وفق ما تقتضية المصلحة العالمية. فقد أيد هذه الفكرة كل من «أيلون ماسك» مؤسس شركة x.AI (إكس إيه آي)،«وساتيا ناديلا» الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت (Microsoft)،«وديميس هاسابيس» رئيس جوجل ديب مايندر(Google DeepMind). ومع هذا الإنقسام لم يحسم الجدل بشكل نهائي حتى اليوم حول مصير الإنسان الغبي في مستقبل الذكاء الإصطناعي.
الخلاصة، أن العالم المتقدم والنامي والعالم الثالث يشهد تقدماً لا مثيل له في سابق الأُمم. وفي أثناء ذلك لم يعد السؤال كما كان سابقاً: هل ستتطور التكنولوجيا لتلبي احتياجات الناس؟ لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: هل سيطور الإنسان من نفسه ليواكب الذكاء الإصطناعي؟ وبين السؤالين عالم يرزح تحت طفرة متطورة وخطرة عُرفت إصطلاحاً بـــ(AI)، ولكنه في نفس الوقت ليس أخطر من فرضية الذكاء الإصطناعي العام(AGI) ذات الفهم والمعرفة التي يشبة العقل البشري، وما ذلك فالله به عليم.