المسافر الفلسطيني بين فكي الأزمة .. انتظارٌ مكلف ومعاناة بلا نهاية
لم يعد الحديث عن أزمة السفر عبر جسر الملك حسين مجرد شكوى عابرة يرددها المسافرون على مواقع التواصل الاجتماعي أو في صالات الانتظار، بل أصبحت أزمة حقيقية تمس حياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين إجراءات معقدة، وحجوزات ممتدة لأسابيع، وتكاليف مالية باهظة، في رحلة يفترض أن تكون بوابة عودتهم إلى وطنهم لا محطة إضافية لمعاناتهم.
المتضرر الوحيد في هذه المعادلة هو المسافر الفلسطيني، الطالب الذي ينتظر موعد جامعته، والمريض الذي يحمل ملفاً طبياً ومواعيد علاج لا تحتمل التأجيل، والمغترب الذي يسعى لزيارة أهله، والعائلة التي ترتب لظرف اجتماعي أو إنساني عاجل، جميعهم يصطدمون بواقع بات فيه الحصول على حجز لعبور الجسر يحتاج إلى أسابيع طويلة من الانتظار.
لا يمكن إنكار أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل مسؤولية رئيسية عن هذه الأزمة، فهو الطرف الذي يتحكم بساعات عمل المعبر، وأعداد المسافرين المسموح بعبورهم يومياً، والإجراءات الأمنية التي تؤثر بشكل مباشر على انسيابية الحركة، وبالتالي فإن أي حديث عن أزمة الجسر دون الإشارة إلى هذا العامل الأساسي يبقى حديثاً ناقصاً.
لكن في المقابل، لا يمكن الاكتفاء بإلقاء المسؤولية كاملة على الاحتلال، وكأن بقية الأطراف لا دور لها في ما يحدث، فالمواطن الفلسطيني من حقه أن يتساءل: لماذا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحجز المسبق قبل شهر أمراً طبيعياً؟ وهل تم اتخاذ إجراءات استباقية لمعالجة الاختناقات المتكررة؟ وهل توجد خطة واضحة للتعامل مع مواسم الذروة وارتفاع أعداد المسافرين؟
كما أن حجم المعاناة يتضاعف بالنسبة للقادمين عبر مطار الملكة علياء الدولي، فالمسافر الذي يصل إلى الأردن دون أن يمتلك حجزاً مسبقاً لعبور الجسر قد يجد نفسه مضطراً للإقامة أياماً أو أسابيع بانتظار موعد متاح، ما يعني تكاليف إضافية للسكن والمواصلات والمعيشة، في وقت يعاني فيه معظم الفلسطينيين أصلاً من ظروف اقتصادية صعبة.
السؤال الأهم اليوم ليس من يتحمل المسؤولية السياسية فقط، بل من يملك القدرة على تقديم الحل؟ المواطن لا يبحث عن تبادل الاتهامات بقدر ما يبحث عن جهة تمتلك الشجاعة والقدرة على إنهاء هذه المعاناة، فالأزمات لا تُدار بالتصريحات، بل بالحلول العملية والقرارات الفاعلة.
إن المطلوب اليوم هو تحرك جاد من جميع الأطراف ذات العلاقة لزيادة الطاقة التشغيلية للمعبر، وتحسين التنسيق، وضمان وجود آليات واضحة للحالات الإنسانية والطارئة، ومراقبة أي ممارسات قد تفتح الباب أمام الاستغلال أو السمسرة أو الاحتكار، كما أن الشفافية في إعلان أسباب الأزمة وحجمها وخطط معالجتها أصبحت ضرورة لا ترفاً.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: إذا كان الاحتلال سبباً رئيسياً في الأزمة، فمن المسؤول عن إيجاد الحلول والتخفيف من آثارها؟ ومن الجهة التي ستقف أمام المواطن الفلسطيني لتقول له بوضوح متى ستنتهي معاناة السفر عبر جسر الملك حسين؟
حتى الآن، لا تزال الإجابة غائبة، بينما تستمر المعاناة.