المغير.. قرية فلسطينية في قلب الحرب: حين يتحول إرهاب المستوطنين إلى سياسة اقتلاع
ليست المغير اليوم قريةً تعيش حادثاً عابراً، ولا بلدةً تواجه اعتداءً منفصلاً يمكن وضعه في خانة (التوتر الأمني)كما يحاول البعض أن يختزل المشهد الفلسطيني.
المغير تعيش حرباً حقيقية.
حربٌ تُشن على الأرض والإنسان، على البيوت والمزارعين، على الأشجار والحقول، وعلى حق الفلسطيني في أن يعيش في أرضه دون أن يكون مهدداً في حياته وأمنه وممتلكاته.
منذ فترة، تتعرض المغير لسلسلة متواصلة من اعتداءات المستوطنين، تتخذ أشكالاً متعددة، من الهجمات على الأهالي والمزارعين، إلى الاعتداء على الممتلكات والأراضي، وإحراق وتخريب ما يستطيعون الوصول إليه، ومحاولات فرض واقع جديد بالقوة. وفي كل مرة تتسع دائرة الخطر، وتتراجع مساحة الأمان أمام السكان.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يستطيع المستوطنون تنفيذ هذه الاعتداءات المتكررة، والوصول إلى الفلسطينيين وأراضيهم، ثم العودة مرة أخرى؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير من البحث.
فالمستوطن لا يتحرك في فراغ، بل في بيئة توفر له الحماية العسكرية والسياسية. وحين يقف جيش الاحتلال إلى جانب المعتدي بدل أن يحمي المدنيين الفلسطينيين، تتحول المسألة من اعتداءات أفراد إلى منظومة متكاملة من العنف المنظم.
حين يصبح الجيش جزءاً من المشهد
المشكلة ليست فقط في المستوطن الذي يحمل السلاح أو يهاجم الفلسطينيين، وإنما في المنظومة التي تسمح له بالاعتداء وتوفر له الغطاء.
في المشهد الفلسطيني، تتكرر الصورة ذاتها: مستوطنون يهاجمون، ثم يحضر جيش الاحتلال، وفي كثير من الحالات يجد الفلسطيني نفسه مطالباً بالابتعاد عن أرضه، بينما يبقى المعتدي في المكان.
وهنا تسقط كل محاولات تقديم الأمر باعتباره (صراعاً بين طرفين).
لا يمكن وضع الضحية والمعتدي في كفة واحدة عندما يكون أحدهما محمياً بقوة عسكرية احتلالية، والآخر أعزل يدافع عن بيته وأرضه.
وما يحدث في المغير يجب أن يُقرأ ضمن هذا السياق؛ سياق استيطاني يسعى إلى توسيع السيطرة على الأرض، ودفع أصحابها الأصليين إلى اليأس والخوف، وصولاً إلى إفراغ المكان من سكانه إن أمكن.
الدم الذي لا يجب أن يتحول إلى رقم
المغير دفعت من دم أبنائها ثمناً قاسياً.
شهداء سقطوا، وجرحى أصيبوا، وأهالٍ يعيشون تحت تهديد دائم.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الشهيد هو أن يتحول إلى رقم في خبر، ثم يُطوى الخبر مع مرور الأيام.
الشهداء ليسوا أرقاماً.
وراء كل اسم أم تنتظر، وأب يحمل صورة ابنه، وطفل يبحث عن وجه لن يعود، وبيت تغيرت تفاصيله إلى الأبد.
والجرحى ليسوا مجرد أرقام في بيانات الإسعاف؛ إنهم أناس خرجوا من بيوتهم ليجدوا أنفسهم في مواجهة عنف لم يختاروه.
لذلك فإن الحديث عن المغير ليس حديثاً عن (أحداث) فقط، بل عن حياة بشر تُهدد وتُستباح بصورة متكررة.
الأرض هي الهدف
من يراقب ما يجري في المغير يدرك أن القضية لا تتعلق فقط بإيذاء السكان.
الأرض هي الهدف الأساسي.
فحين يصبح الوصول إلى الحقول محفوفاً بالخطر، وحين يخشى المزارع الذهاب إلى أرضه، وحين تتعرض الممتلكات للاعتداء، يصبح الفلسطيني أمام معادلة قاسية: إما أن يبقى ويتحمل الخطر، أو يبتعد تدريجياً عن أرضه.
وهذه واحدة من أخطر نتائج الاستيطان.
فالاستيطان لا يحتاج دائماً إلى قرار رسمي معلن يقول للفلسطيني: (ارحل).
يكفي أن يجعل الحياة مستحيلة، وأن يجعل الأرض مصدر خوف، وأن يجعل الوصول إلى الحقل مغامرة، وأن يجعل حماية البيت عبئاً يومياً.
عندها يصبح التهجير نتيجة للعنف حتى لو لم يُعلن التهجير عنوانًا للسياسة.
المغير ليست وحدها
وما يحدث في المغير لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين وتتوسع البؤر الاستيطانية، بينما يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة يوماً بعد يوم.
لكن المغير تحديداً أصبحت مثالاً صارخاً على قرية تدفع ثمن تمسكها بأرضها.
إنها واحدة من تلك القرى والبلدات التي تقول، بصمود أهلها، إن الفلسطيني لا يحتاج إلى شعارات كبيرة كي يثبت انتماءه؛ يكفي أن يبقى في أرضه، وأن يزرعها، وأن يحمي بيته، وأن يرفض الرحيل.
ولهذا يصبح الصمود الفلسطيني نفسه هدفاً.
لا نريد أن نموت بصمت
(لا نريد أن نموت بصمت في المغير).
هذه الجملة يجب أن تُسمع جيداً.
ليست المغير بحاجة إلى مواساة بعد سقوط كل شهيد، ثم انتظار الشهيد التالي.
وليست بحاجة إلى بيانات إدانة تصدر بعد كل جريمة، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
المطلوب أن تتحول معاناة المغير إلى قضية سياسية وحقوقية وإعلامية مستمرة، وأن يتم توثيق الاعتداءات، وملاحقة مرتكبيها، وكشف منظومة الحماية التي تتيح لهم مواصلة جرائمهم.
فالصمت لا يحمي القرى والبلدات، والإدانة وحدها لا توقف المستوطن، والبيان وحده لا يعيد أرضاً أُحرقت، ولا بيتاً أُتلف، ولا حياةً فقدها أهلها.
إلى أهل المغير
إلى أهل المغير الذين يعيشون هذه الأيام الثقيلة:
أنتم لا تدافعون عن بيوتكم فقط؛
أنتم تدافعون عن معنى أن يبقى الفلسطيني فلسطينياً على أرضه.
كل شجرة تُزرع رغم الخوف، وكل موسم حصاد رغم الاعتداءات، وكل بيت يفتح بابه صباحاً رغم التهديد، هو رسالة بأن هذه الأرض ليست فراغاً ينتظر المستوطن.
هي أرض لها أصحاب.
ولها ذاكرة.
ولها شعب.
المغير تستحق أن تُسمع
لا يجوز أن ننتظر سقوط شهيد جديد حتى نتذكر المغير.
لا يجوز أن تصبح صور الجرحى هي الوسيلة الوحيدة لكي يلتفت العالم.
ولا يجوز أن يعتاد الناس على مشاهد الاعتداء حتى يصبح الألم الفلسطيني جزءاً من المشهد اليومي.
المغير اليوم أمام اختبار كبير، لكنه أيضًا اختبار لنا جميعاً: هل سنترك قرية فلسطينية تواجه وحدها؟ أم سنجعل صوتها أعلى من الرصاص؟
إن ما يجري هناك ليس شأناً محلياً يخص أهل المغير وحدهم.
إنه جزء من معركة أوسع على الأرض الفلسطينية، وعلى حق أهلها في البقاء.
ولهذا يجب أن يكون الموقف واضحاً:
نريد حماية أهل المغير.
نريد وقف اعتداءات المستوطنين.
نريد محاسبة المعتدين.
نريد حماية الأرض وأصحابها.
ونريد أن يتوقف التعامل مع الدم الفلسطيني ب