لماذا لم تصل إيران إلى الرقم 200؟
ستة أشهر على إغلاق مضيق هرمز -وثمانية أشهر على استمرار الحرب- لم يصل فيها برميل النفط إلى السعر الذي تريده إيران للضغط على الولايات المتحدة وإجبارها على العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام أباد، وبالتزامن، إعلان مرحلة جديدة في علاقات إيران مع دول العالم وأمريكا.
أين تكمن المشكلة؟ هل المضيق مفتوح كما يصرح الرئيس ترامب وتنجح البحرية الأمريكية في تسهيل خروج إمدادات النفط؟ هل سياسة إغلاقه فشلت وبالتالي فقدت إيران ورقة هرمز؟
ستة أشهر هي مدة خارج حسابات طهران التي كانت ترجّح مهلة زمنية أقصر ربما لوصول أسعار برنت إلى 200 دولار للبرميل. لكن يظهر أن الولايات المتحدة نجحت في احتواء الآثار المباشرة لسياسة الإغلاق وخنق خمس إمدادات الطاقة عالميًا والالتفاف على المضيق؛ عبر فتح المخزون الاحتياطي الاستراتيجي الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق منذ 1982.
الإدارة الأمريكية أجبرت كذلك دول الاتحاد الأوروبي على فتح مخزوناتها لإمداد سوق الطاقة، وذهبت أبعد من ذلك برفع العقوبات عن قطاع النفط الروسي وأبرمت مع بوتين "صفقة الديزل" رغم علمها أنها بذلك تموّل آلة الحرب الروسية، وتضرب استراتيجيتها الحربية وسياسة الاستنزاف والإنهاك للقطب الروسي.
بعبارة أخرى، مرر الأمريكان لروسيا ورقة قوة، وسحبوا أخرى من إيران، وهذه الاستدارة في سلاسل الإمداد هي ضرورة فرضتها اعتبارات الأمن القومي، وليست إعادة تموضع طويلة الأمد في ملف الطاقة، أو ربما.
الإجراءات الأمريكية وردّ الفعل يأخذ شكل "إدارة أزمة عالمية" قادتها الولايات المتحدة بشكل جيد كما يبدو، لكن لاعب الارتكاز الذي أغلق طريق إيران إلى الرقم (200)، وفق اعترافات رئيسها، كانت الشركة السعودية (أرامكو).
الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو "أمين الناصر" قال، في تصريحات حديثة وبوضوح كامل، إنه "لولا خط أنابيب شرق غرب لوصلت أسعار برنت إلى 200 دولار للبرميل".
يبلغ طول هذا الخط حوالي 1200 كيلومتر ويُعرف باسم "بترولاين" ويعتبر أحد أهم خطوط نقل النفط الخام في المملكة، ويمتد من حقل "بقيق" في المنطقة الشرقية إلى مدينة "ينبع" على البحر الأحمر، وتم تدشينه خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهو يعمل بطاقة استيعابية تقدر بنحو 6 ملايين برميل يوميًا.
الرياض ركزت اعتمادها على هذا الخط للالتفاف على إغلاق إيران مضيق هرمز، ودون المرور عبره، وقد صرح رئيس أرامكو بأن "الشركة قادرة على الوصول إلى طاقتها الإنتاجية المستدامة الكاملة والبالغة 12 مليون برميل يوميا خلال أيام". وهذا ما أوصل صادرات الطاقة من المنطقة إلى "أكثر من 80% تقريبًا" من مستوياتها التي كانت قائمة قبل الحرب، وفق الرئيس التنفيذي لشركة شل العالمية.
يظهر إذن أن هذا الخط كان سببًا مباشرًا في ضرب استراتيجية إيران لاستنزاف قطاع الطاقة العالمي، ثم ضَمِن بقاء واحد من أهم ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة العربية وهو تأمين تدفق النفط، ومرة أخرى أظهرت السعودية أنها حكومة عربية صديقة للولايات المتحدة.
أرقام أرامكو تؤكد أن خطها "المنقذ" ينقل النفط غربًا ويسحب من رصيد هرمز، ما قد يجعله على قائمة بنك أهداف إيران لأي تصعيد وشيك، بطريقة أو بأخرى، وعلى نحو ما جرى في سبتمبر الماضي عندما تعرض لاستهداف بمسيرات قادمة من العراق.
هناك مصلحة سعودية بإيجاد كل البدائل التي تحافظ على البنية التحتية النفطية للمملكة في أعقاب الأضرار التي أصابتها وتأثيرات إغلاق المضيق، إضافة إلى ضمان استمرار القدرة التشغيلية للمصافي ومنشآت التصدير والضخ الدوري عبر الحقول والأنابيب، وهي، عند هذه النقطة، تتلاقي مع مصلحة الولايات المتحدة، وبالتالي قد لا تحتاج المسألة إلى برقيات عاجلة.
الرياض لا ترى أيضًا سببًا يدعوها لتهديد علاقتها بواشنطن لخدمة حسابات طهران واستراتيجيتها في المنطقة، وبالتالي تصبح سببًا مباشرًا في تعزيز نفوذ إيران وتحويل مخرجات الحرب إلى مكاسب دائمة، وترسيخ سيطرتها على هرمز.
كما لا يظهر، والحال هذه، أن السعودية ترغب في التقاط الفرصة التي خلقتها الحرب عبر قيادة التغيير الجاري في المنطقة، وإعادة النظر في الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، أو البناء على هذا التغيير من منظور مصلحة المنطقة ككل، أو إدراك مآلات الضغط الإسرائيلي المتزايد على الرياض لجرّها إلى حظيرة التطبيع.
صدام الاستراتيجيات بين الرياض وطهران يؤكد أن الحوار الثنائي بينهما، ضمن مسار بكين، الذي توج باستئناف العلاقات الدبلوماسية في العام 2023، لا يحمل، ولم يكن يحمل، أي حُسن نوايا. السياسة السعودية تسير في الاتجاه المعاكس لتوجهات إيران، وأوزان الدول تلعب دورًا حاسمًا في تحديد اتجاهات التحرك، وقراءة الأحداث والتعامل معها لا تزال تمر عبر إخضاع السياسة للمذهب.