الحرب العالمية الثالثة بصمت... غزة بوابة الصراع والضفة والقدس عنوان المرحلة المقبلة
لم يعد الحديث عن حرب عالمية ثالثة مجرد ضرب من الخيال السياسي، بل أصبح توصيفاً يراه كثيرون أقرب إلى الواقع الذي يعيشه العالم اليوم. فالمشهد الدولي لم يعد قائماً على حرب واحدة ذات جبهة واضحة، و إنما على سلسلة طويلة من الصراعات الممتدة و المتداخلة، التي تجمع بين المواجهات العسكرية، و الحروب الاقتصادية، والصراعات الاستخباراتية، والهجمات السيبرانية، والمعارك الإعلامية.
ففي لحظة واحدة، يواجه العالم الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، والتوترات المستمرة في لبنان، والصراع المرتبط بإيران، والحرب في السودان، والأحداث في ليبيا ومالي والكونغو الديمقراطية وبورما، فضلاً عن التوتر المتصاعد بين الصين وتايوان، والمواجهات المتكررة بين الهند وباكستان، وبين باكستان و أفغانستان.
وقد تبدو هذه الحروب منفصلة من الناحية الجغرافية، لكنها في الحقيقة ترتبط بشبكة معقدة من المصالح والتحالفات الدولية، الأمر الذي يجعل العالم يقف على حافة انفجار كبير قد تبدأ شرارته من منطقة محددة، لكنها لن تتوقف عند حدودها.
وفي قلب هذا المشهد تقف غزة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز أساسي في الصراع الدائر في المنطقة. فكل ما يحدث هناك لم يعد حدثاً محلياً، بل أصبح جزءاً من معادلة دولية وإقليمية أكبر، تتداخل فيها الحسابات السياسية، والعسكرية، والأمنية، والاقتصادية.
وفي ضوء التصريحات الأخيرة التي تحدثت عن اتفاق تاريخي جديد بشأن قطاع غزة، برزت تساؤلات عديدة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحول حقيقة الأهداف الكامنة وراء هذه الترتيبات الجديدة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المرحلة الأولى تقوم على وقف العمليات العسكرية، وإدخال المساعدات الإنسانية، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية يجري خلالها اختبار مدى التزام جميع الأطراف بما تم الاتفاق عليه.
كما تتحدث بعض التصورات المطروحة عن ترتيبات أمنية وإدارية جديدة، تشمل ملفات شديدة الحساسية، من بينها مستقبل إدارة القطاع، وإعادة الإعمار، ومسألة السلاح، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق مختلفة داخل القطاع.
لكن القضية الأهم لا تتعلق بغزة وحدها، لأن جوهر الصراع لم يكن مرتبطاً يوماً بحدود القطاع، بل امتد دائماً إلى الضفة الغربية والقدس المحتلة، اللتين تبدوان اليوم أقرب إلى أن تكونا مركز الأحداث في المرحلة المقبلة.
الضفة الغربية تشهد تصعيداً متواصلاً على مستويات متعددة، في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية، وتصاعد الاقتحامات، وتزايد المواجهات الميدانية، وتنامي النشاط الاستيطاني، فضلاً عن الإجراءات التي تستهدف تغيير الواقع الجغرافي و الديموغرافي في مناطق واسعة منها.
أما القدس المحتلة، فتبقى النقطة الأكثر حساسية و تعقيداً، ليس بسبب مكانتها السياسية فحسب، و إنما بسبب رمزيتها الدينية والتاريخية أيضاً. ولهذا السبب، فإن أي تغيير يطرأ على واقع المدينة ينعكس بصورة مباشرة على المشهد الفلسطيني بأكمله، بل يمتد أثره إلى المنطقة والعالم.
ومن هنا، يرى كثيرون أن الحديث عن مستقبل غزة بمعزل عن مستقبل الضفة الغربية والقدس يمثل قراءة ناقصة للمشهد، لأن القضية الفلسطينية، في جوهرها، قضية واحدة لا يمكن تجزئتها أو التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.
وبالنظر إلى التطورات الجارية، يبدو أن الأنظار تتجه اليوم نحو الضفة الغربية والقدس أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من انتقال مركز الصراع من غزة إلى هناك، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتسم بدرجة أعلى من التعقيد والتوتر.
لقد تغير شكل الحروب في العالم، لكن جوهرها بقي كما هو؛ وهو الصراع على الأرض، والنفوذ، والموارد، والهوية. وبينما تتسارع الأحداث وتتغير موازين القوى، يبقى السؤال مطروحاً: هل ما نراه اليوم هو مجرد سلسلة من الأزمات المتفرقة، أم أننا نعيش بالفعل فصول حرب عالمية جديدة، تُخاض بصمت، ولكن آثارها تطال الجميع؟